كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

تكتسب القراءة الإنجيليّة المخصّصة لهذا الأحد (أحد الدينونة أو مرفع اللحم)، أهميّة استثنائيّة هذا العام. فالمعروف أنّ النصّ الإنجيليّ المقروء في قدّاس هذا الأحد (الإصحاح 25 من متّى) يقول ما معناه، إنّ الله سوف يدين البشر، في اليوم الأخير، على مقدار المحبّة، التي أظهروها فعليّاً: "كنت جائعاً فأطعمتموني..."، أو التي كان بإمكانهم تظهيرها، ولم يفعلوا: "كنت جائعاً فلم تطعموني...".
 كما يعني قول الربّ للخراف: "كنت عطشاناً فسقيتموني"، وللجداء: "لم تسقوني"، أنّه ما من أحد إلا ويقدر أن يحيا المحبّة، ويفعّلها، بدليل أن ما من أحد عاجز عن تقديم كأس ماء للشرب.
 أنت تعطي بقدر ما تحبّ، والعكس صحيح. المحبّة، التي فيك، تدفعك إلى العطاء. وبقدر عظم محبّتك، يكون عطاؤك. ظاهرة تبرير التقاعس عن مساندة بعضنا بعضاً، وتضامننا، وتعاضدنا، تؤكّد زيف إيماننا، ووهمه. ما جعل الربّ يسوع المسيح العطاءَ ميزانَ الدينونة، إلّا لأنّه يكشف مدى المحبّة، وتالياً الإخلاص والأمانة، في صدق الإيمان بالله وبالإنسان. 
المعلومات الواردة، عن سوريا، في التقرير الاقتصاديّ الأمميّ الأخير، الصادر في العام 20166، مأساويّة. شمل التقرير دراسة واقع 19 ألف أسرة سوريّة من مختلف المحافظات، ما عدا الرقّة ودير الزور. وخلص إلى القول بأنّ ثلث السوريين يعيشون في حالة انعدامٍ للأمن الغذائي، وينامون جوعى عشرة أيام في الشهر، وأنّ تسعة ملايين غيرهم، سيصيرون مثلهم، في السنة الجديدة. 
 يتكلّم التقرير عن الغذاء حصراً، ولا يتطرّق إلى الأمور المعيشيّة الأساسيّة الأخرى، كالطبابة والسكن والدراسة وما إليها. أعداد الذين هُجِّروا من بيوتهم ومناطقهم، واضُطروا إلى الرحيل عنها، إلى مناطق أخرى ضمن سوريا، ليستأجروا بيوتاً آمنة فيها، بأسعار مرتفعة، بعد أن كانوا ملّاكين، يُعَدّون بالملايين. ناهيك عن الذين يعيشون ظروفاً مأساويّة، من الذين رحلوا إلى بلدان الجوار. 
إلى ذلك، وبحسب التقرير إيّاه، بلغت نسبة الذين هم تحت خط الفقر 711%، من القاطنين في البلد. هؤلاء، من يستطيع أن يغيثهم سوى أغنياء الداخل ومغتربي الخارج؟
 ندائي إلى أبنائنا المغتربين، أن يبادروا إلى القيام بواجبهم تجاه أهلهم وأبناء قراهم ومواطنيهم المعوزين. ندائي لهم أن يبدأوا بتجسيد مشاعرهم الصادقة، ومشاركتهم الوجدانيّة، إلى واقع حيّ وفعّال. وإلا، فماذا ينتظرون؟ الكلّ يعلم أنّ الطبقة الوسطى اختفت، وأنّ الكثير من الأغنياء تركوا البلد. إنّ معظم الجمعيات الخيريّة الفاعلة، التي تعيش على تبرّعات أهل الخير وعطاياهم، من جهة، وعلى بعض الأعمال الاستثماريّة أو المنتجة، من جهة أخرى، قد ضعف مدخولها جدّاً، بسبب عجز أصدقائها، وتردّي الوضع الاقتصادي. إنّها تعاني شحّاً متزايداً في مواردها، ما ينعكس تراجعاً في تقديم خدماتها المعتادة. وهي لم توجد أصلاً لمواجهة نكبة استثنائيّة كالتي في البلد حاليّاً. أعرف عدداً من هذه الجمعيات يفكر أعضاؤها بتجميد خدمتها، بسبب عدم القدرة على الاستمرار. 
 في الوقت ذاته، بدأت هيئات الإغاثة الدوليّة تقلّل من مساعداتها، وتحوّل القسم الأكبر منها، إلى برامج تأهيل وما إليها. ماذا بقي للمواطن سوى راتبه الزهيد، وما يصله من مساعدات متناثرة، تتقلّص يوماً بعد يوم؟ من يؤمّن تكاليف المواصلات للطالب الجامعي اليوم، إذا كان يدرس في مدينته، أو إذا كانت جامعته في مدينة أخرى، حيث الحاجة أعظم وأعظم؟!
 الأطفال في طور النمو، ويحتاجون إلى غذاء يمنحهم بنية سليمة ومنيعة! والكبار في السنّ، الذين بات جسمهم ضعيفاً، كيف يمكنهم تقويته؟ 
 ما زال الكثير من المغتربين مقيمين في غربة عن هذا الأمر البالغ الأهميّة. ولم تتخطَّ مبادراتهم حدود العمل العاطفي المؤقت. ولم تترجم إلى إنشاء مؤسّسات داعمة باستمرار، أو تأمين دعم متواصل للهيئات الإغاثيّة العاملة على الأرض.
 هل يسمح الأحبّة المغتربون، بتذكيرهم بأنّ قيمة فنجان القهوة، في مقهى شعبي، حيث يقيمون، يكفي لشراء عدة كيلوغرامات من الرز في سوريا؟! لا تعلّلوا امتناعكم عن المساهمة، في تخفيف أعباء المقهورين، بقلة مواردكم. مهما كان ما تقدرون على إرساله قليلاً بنظركم، فهو يسند الكثيرين عندنا.
 كذلك المرتاحون ماديّاً، من المقيمين في البلد، أيقبلون بتذكيرهم بأنّهم مدعوون إلى المساهمة أيضاً بما يقدرون عليه، وبأهميّة انتباههم إلى أن لا يجرحوا مشاعر المعوزين الكثر، من حولهم، وذلك بهجرهم العيش المسرف والمترف، الذي لا يقيم وزناً للجائعين والمحرومين! 
أمّا المعوزون، فعليّ أن ألفت نظرهم، إلى ضرورة تحسّسهم لعوز من  قد يفوقهم في الفقر. تفكيرهم بأنفسهم، كثيراً ما يمنع وصول المساعدة إلى الأكثر حاجة إليها منهم. كفّوا عن اعتبار أنفسكم أحقّ بالمساعدة، لئلا تسرقوا حصة الأكثر عوزاً منكم، وأنتم لا تدرون. اعطفوا على بعضكم، وساعدوا القائمين على خدمتكم، في الوصول إلى الأكثر استحقاقاً للمساعدة. 
 لم تعد المبادرات الفرديّة المتفرّقة والمبعثرة كافية. الواقع يستدعي عملاً مؤسساتيّاً منظّماً، قائماً على التطوّع والخدمة المجانيّة، مع الحدّ الأدنى من التوظيف، اللازم لتأمين وصول المساعدات إلى مستحقيها. وهذا يحتاج إلى تمويل وفير. أذكّر الجميع بالمَثَل القائل "حصوة بتسند خابية"، وبأنّ الإبريق الذي لا يمتلئ مباشرة، لعدم توفر الماء، يمتلئ نقطة وراء نقطة، وإن احتاج إلى وقت أطول. 
بكثير من الألم أعترف لكم، على سبيل المثال، بأنّ "مشروع السامري الصالح"، الذي تأسّس في العام  2012 في أبرشيّتنا، إلى جانب "مشروع خبز للجميع"، من أجل إغاثة متضرّري المأساة السوريّة، لم يتغذَّ من أبناء الأبرشيّة المغتربين، إلا من اثنين فقط، حتّى الآن. ( وزّع ما قيمته ستة عشر مليون ليرة سورية، أي ما يعادل 32000$ في العام 2016). شخص واحد، من خارج البلاد، أرسل مرّة مبلغاً مباركاً، ليوزَّع على العائلات المنكوبة. ماذا عن الآخرين؟! ماذا ينتظرون؟ متى نظهر إيماننا حقّاً وفعلاً؟ ماذا ننتظر حتّى نحقّق دعوة المسيح، الملحّة اليوم: "كنت جائعاً وعطشاناً وعرياناً ومريضاً ومحبوساً"، وما زلت أنتظر أكفّكم الملأى بالحبّ، وعيونكم المشبعة بالحنان، وقلوبكم المتعطفة على "إخوتي هؤلاء الصغار"؟
 آنذاك يكون الصوم مرضياً الربّ، وتتحقّق كلمة الربّ بلسان أشعياء النبي: "فالصوم الذي أريده،..أن تفرش للجائع خبزك، وتُدخل المسكين الطريد بيتك، أن ترى العريان فتكسوه، ولا تتهرّب من مساعدة قريبك" (أش 58/6-7).