كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

أَوَ يُعَيَّدُ للعيد! أليس الحبّ عيد الحياة الدائم، بوجوده؟ وهل تحلو الحياة ويكون لها معنى حقيقيّ من دونه؟ وإلا فلماذا هذا الركض وراءه؟ ولماذا هذا الكلام الكثير عنه: نثراً وشعراً وقصصاً وغناء ...إلخ؟ أَوَ عبثاً كشف الله ذاته لنا حبّاً، فقال الكتاب المقدس "الله محبّة"؟ الحبّ هو المعنى الحقيقي للحياة؛ هو الفرح والزخم والطاقة، التي يحتاج إليها الإنسان، للمضيّ قُدُماً في تحقيق رسالته في هذه الدنيا وفي الآخرة. 
 الحبّ الذي يشمل الرجل والمرأة، اللذين يشكلان، مع الأولاد، ثالوثاً مقدّساً، أحد أنواع الحبّ. أمّا اختصار الحبّ إلى العلاقة بين اثنين فقط، دون أن ينفتح فيهما على ما هو خارجهما، فيقتله فيهما، مع الوقت. الحبّ المغلق، وغير المنفتح على الحبّ الكلّي، حبّ البشر والخليقة، والمستمدّ من حبّ الخالق، والعيش معه، يذبل ويمسّه اليباس ويموت، إذ لا يجد له بئراً ترويه باستمرار. 
 يمجّد المجتمع المعاصر الحبّ، مفردةً مبهَمَة، عامّة، تكاد تُختصر في الجسد وأحاسيسه. كما يقدّمه مفهوماً منفصلاً عن مقتضيات الحبّ ومستلزماته: تلك التي لا يمكن للحبّ أن يكون حقيقيّاً ومستمرّاً من دونها. يقصر عالمنا الحالي الحبّ على واحدٍ من تعبيراته الصميميّة، ألا وهو الاتحاد الجسدي بين الرجل والمرأة. فيصوِّر هذا الاتحاد لعبةَ متعةٍ شخصيّة، الغاية منها التلذّذ الجسداني والوصول إلى أقصى نشوة ممكنة. أَوَ ليس التشويه الحاصل في مفهومي الحبّ والجسد، هو السبب في الانحطاط، الذي تشهده مؤسسة الزواج حالياً؟
 عندما كان الجنس أمراً جدّ خاصّ وشخصيّ، وله حرمته ووقاره، ألم تكن المؤسسة الزوجيّة مستمرّة وناجحة، ومثمرة، على الرغم من توفر العوامل الكثيرة، التي تتسبّب في فشلها، مثل الفقر، الذي كان شائعاً، وسجن المرأة في شؤون البيت، وظلمها ومعاملتها على أساس تشييئها، وتقييد الحبّ وتعييبه، على الأنثى بشكل خاص.

يشهد عالمنا المعاصر تياراً عنيفاً فاجراً، تدعمه قوى ماديّة شرّيرة، غايته العمل المستمر على تغيير القيم والمفاهيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة والدينيّة، بكل الوسائل والسبل الممكنة. لم يعد الشيطان يلبس الأسود دائماً. ألا يخفي الغلوّ المعاصِر في تمجيد الحبّ، رغبة خفيّة، وغير واعية، في تأكيد حبّ الذات، لا الغير؟ ألا يدلّ حصر ثقافة الحبّ الإعلامية اليوم على اختصاره في تحريك الجسد ونزواته وشهواته؟ فيقتصر، في الحقيقة، على حبّ الجسد في الآخر، لا حبّه هو بذاته! فيصير نزعة عاطفيّة، خالية من المسؤوليّة تجاه المحبوب، ومتنكّرة لتعهدها بتحمّله ومساندته والاعتناء به، حتّى آخر مشوار العمر.
ما هو هذا الحبّ الذي يخلو من مفهوم التضحية؟ ماذا يقدّم الحب إذا لم يدفع المحبّ إلى التفاني أمام المحبوب؟ كيف يساهم الحبّ في إنضاج المحبّين، إذا ما قام عندهم على رفض محاربة الأنانيّة، والاكتمال بالمحبوب؟ ألا يدعو ترافق الكلام الكثير عن الحبّ، مع التراجع في ديمومته، إلى التساؤل؟ كيف تحبّ أحداً، ولا تتحمّله ؟ ماذا يُقصَد بالحبّ إذا خلا من المرافقة الدؤوبة، التي تهذّب نفس المحبّ ونفس المحبوب معاً؟ 
ثمّة علاقة وثيقة بين ما يُدعى بالثورة الجنسيّة وتشويه الحبّ. في كتاب قيّم لعالمة الاجتماع  الألمانية غابرييل كوب " الثورة الجنسية العالمية: تدمير الحرية باسم الحرية" ، رصد توثيقيّ تحليليّ للنزعات والتيارات، التي تقود البشر، اليوم، نحو تفكيك العائلة، وتالياً المجتمع، وجعل الجنس المحور الأساس عند الإنسان، وتحليله، لا بين الرجل والمرأة فقط، ولا بين الجنس الواحد فقط، بل حتى مع الكائنات غير البشرية، وصولاً إلى محو مفهوم الذكر والأنثى، والأب والأم، فيصير مجرّد قضاء للشهوة الجسدية. آنذاك ماذا يبقى من الإنسان؟ 
 تطرح هذه العالِمة سؤالاً شديد الأهميّة: لماذا ارتبط تقدّم المجتمع باحترام الجنس وخصوصيّته، بينما بدأ تراجعه وانحلاله مع شيوع الجنس وتحريره من كلّ قيمة، حتّى من قيمة الحبّ؟ تقول الدراسات الاجتماعيّة الحاليّة المختصّة بالمراهقين الألمان، بأنّ عشرين في المئة من الشبيبة، التي هي في سن الخامسة عشر شبه أميّين. ماذا سيقدّم هؤلاء لمجتمعهم، وللبشريّة، في المستقبل؟ 
 جميلٌ أن يحتفل الإنسان بالقيم الأساسيّة، كي لا ينساها. والعيد، أيّ عيد، مناسبة لتجديد العهود والنذور والوعود. أمّا الإفراط في التعبير عن مظاهر عيد الحبّ، أفلا يخفي، خلفه، توقاً إلى حبّ عميق ومثمر وثابت؟ صار عيد الحبّ طقساً قائماً بذاته. وككلّ طقس له، عند الإنسان، أن يكون تعبيراً صادقاً عن عيش القيم التي يمثّلها ويحتفل بها، والتزود في العيد منها. وله أن يكون مجرّد مظهر يدلّ على القيم، دونما اهتمام بعيشها.
إن صار عيد الحبّ، في السوق، "بيزنس" شغّال وربّيح، فعلى الواعين أن يتيقظوا لئلا يصير هكذا في ما بينهم. علينا أن لا نسمح، للاحتفال بالعيد، بالتغطية على معالم الحبّ الأصيلة، التي تتطلّب جهاداً روحيّاً، وهي بدورها تدعم هذا الجهاد. 
 لولا الحبّ "الأصيل" لما وُجدت عائلات أصيلة، ولما خرج، إلى المجتمع، أفراد لعبوا دوراً عظيماً في تقدّمه على الصعيد الإنساني وغيره. لولا الحبّ "الأصيل" لما وُجد من يسقي عطشاناً كأس ماء.
 فالحبّ "الأصيل" يحرّر الإنسان من رواسب أناه ونرجسيته وعشقه لذاته، واستعباده للآخر واستعماله أداةً لمنفعته وخدمته. كذلك، يحرّره من الكسل واستغلال الآخر وحبّ الترفّه على حسابه. إنّه يفتح الكوى المغلقة والطاقات المكبوتة، في داخل الإنسان المحِبّ، فتتفجّر فيه، وفي الالمحبوب، عطاء وخدمة وتفانياً ورقّة ووداعة وفرحاً وبِشْراً. 
 إذا ما لاحظت تراجعاً، أو توقّفاً، في حياتك الروحيّة والنفسيّة، فابحث عن المعوقات التي تمنعك من الاستمرار في الحبّ؛ حبّ الزوج والولد والقريب والجار والفقير والزميل والوطن والخليقة كلّها. استمد، من محبّة ربّك لك، استزادة من محبّتك له، وتالياً للآخرين.
 لا تتوقف عند مناسبة معيّنة للحبّ، بل اجعلها فرصةً لتجديده فيك، ولديمومته في حياتك.