كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 الوحي الإلهي هو كشف الله عن ذاته للبشر، وهذا ما تم تدريجيّاً، بمرافقة الله لهم، بواسطة الرسل والأنبياء وفعله المباشر، وصولاً إلى تجسّد الكلمة الإلهي في شخص يسوع المسيح. وقد تمّ بمؤازرة إلهيّة - بشريّة، شرحناها، سابقاً، في هذه الزاوية، أكثر من مرّة. 
 فالله الذي رافق الشعب في العهد القديم، بكلمته، كشف عن ذاته في العهد الجديد، بتجسُّده. "والكلمة صار بشراً وعاش بيننا، فرأينا مجده مجداً يفيض بالنعمة والحقّ" (يوحنا 1/14). يقول الأرشمندريت توما بيطار: "قبل أن يتّخذ "الكلمة" جسدنا، اتّخذ كلامنا، كلمتنا. هذا ضرب من التجسّد، سبق التجسّد باللحم والدم". أي، استعمل لغة البشر جسداً له في العهد القديم، فكانت لغتنا البشريّة امتداداً له عندنا، وانكشافاً له بيننا.
 فالله الذي خلق الإنسان، ويعرف حدود قدرة مخلوقه، خاطبه بما هو له. "ما هو لله جرى التعبير عنه بما هو للإنسان" ... لذلك "ما هو للإنسان لا يمكن فصله عمّا هو لله، في الكتاب المقدّس. هناك تمييز بين الأمرين، بلا شكّ، لكن، لا فصل بينهما".
 يكلّمنا الله بلغتنا، مستدركاً فهمنا وقدرتنا على تقبّله، وكثيراً ما يخاطبنا ويوصل رسائله إلينا بواسطة مجريات حياتنا. قد نفهم قصده، في حينه، وقد لا نفهم، وقد نحتاج إلى زمن حتّى نعي إرادته. هذا ما حدث بشأن خلاص البشر. كثيراً ما خاطب الله البشر بواسطة مجريات حياتهم، بواسطة تاريخهم، وكثيراً ما عادوا وقرأوا تاريخهم معه، بعد سنوات، ومئات من السنوات، حتّى فهموا مغزى تصرّفه معهم، ومعاني كلماته بعد تحقّقها، وماذا أراد أن يقول بصمته مرّات أخرى. 
 تؤمن المسيحيّة بالوحي، الذي شارك اللهُ الإنسانَ في إيصاله إلى البشر. فقد عمل الله مع الإنسان، وكلّمه مُراعياً قدرته على فهمه، تعالى، وعلى استيعابه. قام العمل الإلهي على مرافقة الله للإنسان، منذ أن قرّر أن يخلّصه. ثمّة وحي منسوج من خلال حياة هذا الإنسان، ومن خلال الأحداث التي تمّت مع البشر، المطيعين لله، وكان هو بدوره يرعاهم، ويسمو بهم، بأفعال شتّى. فالله اتّخذ كلمة الإنسان لأنّه يريد خلاصه، ويريد مشاركته شخصيّاً في الخلاص المقدَّم إليه.
 لذلك رعى الله البشر رعاية صبورة إلى حدّ الذهول، حتّى ينضجوا روحيّاً، فيفهموا وحيه على حقيقته. فهم، في مسيرتهم نحو النضج المطلوب، كثيراً ما خلطوا بين أهوائهم ومتطلّبات حياتهم آنذاك، وبين الله. ساهمت الثقافة الدينيّة السائدة، في الشرق آنذاك، في هذا الخلط والتشويش. فقد اختلطوا بجيرانهم، وتعلّموا منهم، وتأثروا بهم. ولأنّ عقلية حصر الإله بجماعته هي السائدة في الشرق القديم، صار الإله أسير مكان محدّد أحياناً، وأسير مطلب محدّد أحياناً أخرى. أما تزال هذه العقليّة طاغية عند أكثريّة البشر حتّى اليوم؟
 يلاحظ الدارس للعهد القديم أنّ البشر كثيراً ما فشلوا في فهم كلمة الله، في حينها، وأنّهم كثيراً ما احتاجوا إلى معاناة تُنضجهم روحيّاً، حتّى يعوها على حقيقتها، ويفهموا الرسالة الإلهية الموجّهة إليهم. هكذا هم البشر. ولذلك يرى المؤمن في الخبرة المصاغة في الكتاب المقدّس، خبرة شخصيّة له. 
 فعندما اعتقد أناس العهد القديم، بأن الله محصور في الهيكل، زعزع الله اعتقادهم الوهمي الخاطئ، بواسطة النبي إرمياء، الذي أنذرهم، بوحي الله، هادراً :"لا تتّكلوا على قول الكذب قائلين: هيكل الربّ، هيكل الربّ، فسأصنع بهذا البيت الذي دُعي باسمي، والذي أنتم متّكلون عليه، كما صنعت بشيلو"[أي سيدمره] (إرمياء7/4-14). وهذا ما حدث. فانتصرت بابل، وسيقت نخبة الشعب إليها، ولعب النفي دوراً مهمّاً في مسيرة تطوّر فهمهم لله. فخلال تلك الفترة بدأوا يدركون أنّ الله، إلههم، هو إله المسكونة، وليس محصوراً في معبد أو أرض محدّدة. ألم يتساءلوا، محتارين، كيف يرنّمون للربّ، وهو بعيد عنهم؟ "على أنهار بابل هناك جلسنا. فبكينا... علّقنا كنانيرنا... كيف ننشد نشيد الربّ في أرض غريبة؟"(مزمور137). فحتّى ذاك الوقت كانوا يعتبرون أنّ إلههم في أرض بعيدة، وإنْ رنّموا له فلن يسمعهم. فأجابهم الله آنذاك ووعّاهم، عن طريق النبي حزقيال، الذي كشف لهم خطاياهم، في زمن الملكيّة، وبدأ سفره بوصف الله الجالس على مركبة، لا يمكن تخيّلها، والواصل إلى أقاصي المسكونة (حزقيال 1).
 كذلك، بتأثيرٍ من الممالك المجاورة، بدأوا يطلبون ملكاً عليهم، بدلاً من رئيس الكهنة. فطلبوا من صموئيل، رئيس الكهنة: "أقمْ ملكاً علينا يقضي بيننا، كما هي الحال في جميع الأمم" (1صموئيل8/5). لم يُرِدِ الله الملك، لأنّه أرادهم جماعة دينيّة، لا شعباً كغيره من الشعوب. فالله فقط يجب أن يكون ملكهم. لذلك قال الربّ لصموئيل: "هم لا يرفضونك أنت، وإنّما يرفضونني أنا كملك عليهم"(1صموئيل8/7). لكن الله قبل مطلبهم، لكي يدركوا ضلالهم من خلال خبرتهم. وما أدركوا أنهم خطئوا إلا حينما تيقنوا، في المنفى، من أن الملك لم يستطع حمايتهم. ولذلك عندما عادوا من النفي ما طلبوا ملكاً، وبقي رئيس الكهنة يقضي بينهم.
 هذا الكشف الإلهي التدريجي الصبور، المترافق مع إنضاج روحي طويل وبطيء، عبّرت عنه نصوص الكتاب المقدّس لا تجريديّاً، بل عمليّاً. فجعلهم يعرفونه إله ابراهيم، ثم إله إبراهيم واسحق، فإله "إبراهيم واسحق ويعقوب"، "فإله آبائنا". بعد ذلك صار يُعرف بأفعاله: فهو "الإله الذي أخرجنا من مصر، الإله الذي أعطانا المنّ عندما جعنا، وسقانا عندما عطشنا، الإله الذي أنجدنا في ضعفنا...". كان الله يكشف عن صفاته من خلال أفعاله، وذلك بواسطة الأحداث التي تجري مع جماعته.
ألا نكتشف الله من خلال الأحداث اليوميّة، التي نختبرها في حياتنا؟ ألا نعيش بعض الأحداث دون أن نعي أهميّتها، ولكن بعد خبرة ما نمرّ بها، نعود فنتذكّرها ونفهم مغ زاها؟ اختار الله أن يكشف نفسه للإنسان، من جهة، وأن يرفع هذا الإنسان إلى مستواه الإلهي، من جهة مقابلة، لأنّه يكشف نفسه بقصد محدَّد، هو خلاص هذا الإنسان. لذلك لا يمكننا، في الكتاب المقدس، فصل ما هو للإنسان عمّا هو لله، فلغة الله ولغة الإنسان محاكتان سويّاً فيه. يمكننا، بمؤازرة الروح القدس، تمييز ما يعود لله فيه وما يعود للإنسان.. 
 ما من تفسير حرفي، وعلى مستوى التاريخ فقط، في المسيحيّة. ثمّة أفعال لله في التاريخ، ينكشف وجهه تدريجيّاً من خلالها، وصولاً إلى الكشف الكامل الذي تمّ بالمسيح.