كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 ثمّة أسئلة كثيرة، حول الكتاب المقدس. ويطلب العديد من القرّاء، مقالات توضيحيّة وتعليميّة بشأنه. فمن بين الأسئلة الكثيرة، التي يطرحها المؤمنون، تحتلّ تلك المتعلّقة بالكتاب المقدّس، المرتبة الأولى. فالسؤال الأول الذي يُطرح على الرعاة، في أيّ سهرة روحيّة، يكون حول الكتاب المقدس، والعهد القديم بخاصّة. وقد تصل الأسئلة إلى حدود التشكيك فيه، ورفض وجوده مع العهد الجديد، ويجد المجيب صعوبة كبيرة، أحياناً، في إقناع السائلين، لا لأنّ الجواب صعب، بل لأنّ رفضهم المسبق له، يمنعهم من قبول أي جواب أو تفسير.
 إنّ حساسيّة التعاطي مع الكتاب المقدّس، نابعة من كونه موضوعاً مطروحاً بحدّة في مجتمعنا، لا من منطلق لاهوتيّ إيمانيّ، بقدر ما هو من منطلق وجوديّ سياسيّ. وعندما يرفض البشر أمراً ما، عموماً، يبحثون عن أسس أو حجج تسند رفضهم وتدعمه، أكثر ممّا يبحثون عن حقيقة هذا الأمر.
 كما أنّ الكثيرين يتعاطون مع الكتاب المقدس بطريقة مغلوطة، لأنّ منطلقاتهم لا تتوافق وفحوى الكتاب وغايته. يحتاج الإنسان المعاصر إلى مقاربة تساعده في فهم الكتاب بالشكل الأفضل. فالمؤمن، الواعي والتقي، يتعاطى مع الكتاب روحيّاً، بينما يحتاج الكثيرون، من الأجيال الصاعدة، إلى سماع مقاربة عقليّة معرفيّة أوّلاً، تساعدهم، بما تحمله من معلومات، كي يلاحظوا عمل الله الخلاصي وينتبهوا إليه.
 فعندما تعي النص تدخل في تفسيره. أمّا إذا كنت لا تعرف النصّ، ولا السياق الذي كُتب فيه، ولا الغاية التي يقصدها، ولا ارتباطه بالقصد الإلهي ودوره في خطّة الله الخلاصيّة، فستقع في مغالطات كثيرة، ليس أقلّها، تحميل الوحي الإلهي ما ليس فيه. 
في الحقيقة، يستوجب التفسير الأمين، للنصوص المقدّسة، معرفة مسبقة بماهيّة الوحي، وكيفيّة كتابة هذه النصوص، والأسباب المباشرة وغير المباشرة، التي أدّت إلى كتابته. كما يستلزم معرفة زمن الكتابة، والنوع الأدبي للنصّ، وثقافة زمان الكتابة. يدرس طلاب اللاهوت، والمتخصّصون بالكتاب المقدّس، حضارات الشرق القديم ودياناته وثقافته، لأنّها تلقي ضوءاً على الكثير من مفردات وتعابير واردة في النصوص المقدّسة. 
 تعتبر الكنيسة المقدّسة الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، كتاباً واحداً، موحىً به من الله. وهي بذلك تسير على خطى سيّدها وربّها، الذي كثيراً ما استشهد بآيات من العهد القديم، مبيّناً بواسطتها تحقيق الوعود فيه، تلك التي وردت على ألسنة الأنبياء وفي المزامير والأسفار الأخرى.
 في وثيقة مشتركة بين الأرثوذكس والأنكليكان، صدرت عن اجتماع مشترك بينهما، عُقد في موسكو، في العام 1996، جاء ما يلي:
 "تشكّل أسفار الكتاب المقدّس كلّاً متماسكاً. إنّها، في الوقت عينه، إلهيّة الإلهام وبشريّة التعبير. هي تحمل شهادة موثوقة عن كشف الله لنفسه، في الخليقة، وفي تجسّد الكلمة، وفي كامل تاريخ الخلاص. إنّها، بحدّ ذاتها، تُقدِّمُ كلمةَ الله في لغة بشريّة. نحن نعرفُ الكتاب المُقَدَّس ونَقبَلُهُ ونفَسِّرُهُ بواسطة الكنيسة وفيها. مُقاربتُنا له فِعلُ طاعةٍ" .
لا يميّز تعليم الكنيسة في ما يختّص بالكتاب المقدّس، بين جزئين أو جسمين له. تؤمن الكنيسة بجسم واحد يتكلّم عن المسيح المخبوء في طيّات العهد القديم، وعن المسيح، إيّاه، الذي تجسّد وعاش على أرضنا، وحقّق مسيرة الخلاص، كما تخبرنا به صفحات العهد الجديد. لكنّ العهدين روح واحدة وكتاب واحد.
 تكتسب وحدة الكتاب المقدّس، بعهديه، أهميّة فائقة في الكنيسة المسيحيّة، كون المسيح محورهما. وقد لعب العهد القديم دور المهيّء والممهِّد لمجيء المسيح المخلِّص، أمّا العهد الجديد، فكان دوره كشف هذا المجيء وتحقيقه، وإتمام الخلاص. فالمسيح إيّاه محور العهدين؛ فهو الموعود والمنتَظَر في العهد القديم، وهو إيّاه المتجسِّد، والظاهر علانية، في العهد الجديد. يقول المغبوط أُغسطين: "إنّ العهد الجديد مخبوء في القديم، والعهد القديم مكشوف في الجديد". 
 ويبطل السؤال المشكِّك، بخصوص العلاقة بين العهدين، إذا ما عرفنا أنّ العهد الجديد يستشهد بآيات مقتبسة من العهد القديم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بما يفوق الثلاثة آلاف آية. ما يعني أنّ العهد الجديد منسوج بالقديم. يقول الأب بولس طرزي، في هذا الخصوص: 
 "إنّ أهميّة العهد القديم بالنسبة لنا، نحن المسيحيين، فائقة، لا بل أساسيّة. فنحن نقول إنّنا نخلص بالمسيح، ونرجو ملكوت الله أبيه عزّ وجلّ. غير أنّ المسيح لا يفيدنا إلا إذا التصقنا به، ولا يتحقّق هذا الالتصاق إلا إذا عرفناه حقّ المعرفة في الإنجيل المحمول في طيّات العهد الجديد. لكنّ هذا الأخير منسوج بكلمات العهد القديم وعباراته ومفاهيمه ورؤاه ورجائه. ويسوع نفسه، فحوى الإنجيل الرسولي، من نسيج أنبياء الله العظماء الذين حملوا كلمته، التي تدين وتُحيي في آن واحد، والتي تتحدّى وجه العالم، غاسلة إيّاه، يوماً بعد يوم، إلى أن يعكس جليّاً وجه العالم" .
 يقول الإيمان المسيحي بأنّ العهد القديم هيّأ لانكشاف المسيح، وظهوره علناً، بين البشر، في العهد الجديد، فيما كان ظهوره غير مباشر في العهد القديم. لا نستطيع أن نعرف المسيح جيّداً، وعلى حقيقته، اذا كنّا لا نعرف الجذر والأصل، وكلّ المرحلة التهيئيّة الاستعداديّة، التي مشاها الربّ مع البشر، حتّى يوصلنا الى يسوع المسيح، الكلمة المتجسِّد، الله المكشوف أمامنا.
 يتكلم الكتاب المقدّس عن تدبير الله الخلاصي للبشر، ذاك الذي بدأ مع إبراهيم واكتمل بالمسيح، وانفتح حتّى الزمن الأخير، بإرسال الروح القدس. هذا التدبير الإلهي كلٌّ متماسكٌ واحدٌ، من أوّله إلى آخره. بمرافقته للبشر، تمّم الله هذا التدبير الخلاصي، بالعمل على صعيدين: إلهي وإنساني. قام الصعيد الإلهي على كشف الله عن ذاته للبشر تدريجيّاً، بمقدار ما كانوا يستوعبون. بينما قام الصعيد الإنساني على ترقية البشر روحيّاً، ورفعهم إلى مستوى أسمى، لكي يصيروا قادرين على استيعاب الكشف الإلهي بشكل أفضل. الصعيدان متكاملان. فكلّما تقدّم الإنسان روحيّاً، كلّما صَفَت نفسه، واستطاع رؤية ما لم يكن قادراً على رؤيته من قبل، بسبب جهله الروحي، وعدم قدرته على استقبال النعمة الإلهيّة بالمقدار المطلوب.
تمنعنا الخطيئة من تحسّس حضور الله فينا ومعنا، وتعمينا عن رؤية أفعاله. أمّا الله فيعمل معنا، دوماً، وفي كلّ مكان وزمان، كما عمل في الكتاب المقدّس. يرافق الإنسان، ولو لم يعلم، ويحاول ترقيته روحيّاً. وبمقدار ما يتجاوب الإنسان مع الله، يتقدم، ويعي الله وحضوره، بشكل أفضل وأنقى.