كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

بقيت الكنيسة المسيحية تعيّد عيداً واحداً، لميلاد المسيح ولمعموديته سويّاً، حتّى القرن الرابع. فكان العيد مناسبة واحدة للاحتفال بالحدثين الإلهيين. لكن بعد اعتناق الامبراطور للمسيحيّة، ودخول الرعايا فيها، بأعداد غفيرة، بدءاً من القرن الرابع الميلادي، بدأ الخلط بين متطلّبات الدين الجديد والعادات والاحتفالات الوثنية المترسبة في الوجدان، ولو تنافت مع الإيمان الجديد. ما اضطر الكنيسة إلى مواجهة التحدّي الجديد، والتغلب عليه بمسحنته.
 كان عيد الإله الشمس عيداً عظيماً في الامبراطورية الرومانية، في الشرق بخاصّة. والأعياد، دائماً، وللأسف، مناسبات، عند الكثيرين، للانفلات الأخلاقي. ولمّا بقي المؤمنون الجدد يحتفلون بهذا العيد إلى جانب الأعياد المسيحيّة، ارتأت الكنيسة، عمود الحقّ، أن تفصل الميلاد عن الظهور الإلهي، وتعيّن له عيداً خاصّاً به. فجعلت لكلٍّ من حدثَي ميلاد الربّ واعتماده عيداً مستقلاً. بقي التعييد للمعموديّة في السادس من كانون الثاني، ونُقل عيد الميلاد إلى الخامس والعشرين من كانون الأول، وهو تاريخ عيد الشمس. 
لذلك يلحظ المواظبون على الصلوات والخدم الليتورجيّة تطابقاً شبه كامل في بنية خدمَتَي العيدين. 
 استخدمت طروبارية (نشيد) عيد الميلاد لقب "شمس العدل" للمسيح. وجاء فيها: "لأنّ الساجدين للكواكب، به (بميلادك) تعلّموا من الكوكب السجود لك يا شمس العدل". وهكذا، ومع الوقت تَمَسحَن العيد الوثني، وصار المسيحيّون يعيّدون كما يليق بإيمانهم. 
 هذا ما ندعوه مسحنة العالم. ويقوم على اعتماد ممارسة ما موجودة، وإعطائها مضموناً مسيحيّاً. لنأخذ المعمودية مثالاً ثانياً. كانت المياه في الحضارة القديمة مصدراً للخوف والخطر. لم يملك الإنسان القديم القدرة على مواجهة الفيضانات والسيول والأمطار الغزيرة وما تخلّفه، ناهيك عن البحار والأنهار. فاعتُبرت المياه مصدراً للفوضى غير القابلة للانضباط، وأُطلق عليها اسم "الشواش". وكان إله الماء إلهاً مخيفاً. إلى ذلك اعتُبر الماء دوماً علامةً للتطهير والنقاوة، ودليلاً حسيّاً على النقاوة الداخليّة، التي يستدير نحوها الإنسان التائب. ولذلك استُخدِم في معظم الديانات رمزاً للتطهير والنظافة الداخليّة. 
دعا القدّيس يوحنّا المعمدان إلى معمودية التوبة، التي كانت علامة على تغيير في سلوك المعتمد، وإشارة إلى انتهاجه طريقاً جديداً، بما يرضي الله ويتناسب مع الوصايا الإلهيّة. هل كان المعمدان ليدعو إلى معموديّة الماء هذه لو كانت هذه الممارسة غير معروفة وغير مألوفة عند معاصريه؟ جاء المسيح واقتبل معموديّة يوحنّا، ليعلّمنا "أن نتمّ كلّ برّ" (متى3/15). وطلب من تلاميذه أن يعمّدوا الذين يبشرّونهم باسم الآب والابن والروح القدس (متى28/ 20). 
 لم تبقَ المعمودية بالماء مجرّد علامة، بل صارت، في المسيح، ولادةً روحيّة جديدة، بنوّة إلهيّة للمعتمد، غفراناً للخطايا، لبوساً لعدم الفساد...إلخ. لم تعد رمزاً أو صورة لمدلول أعمق، بل فعلاً حقيقيّاً يحمل نعماً إلهيّة. بكلام آخر، تبنّت المسيحيّة ممارسة مألوفة، وأعطتها مضموناً جديداً بالكليّة، ورتّبت طقساً خاصّاً لإتمامها، بما يتناسب والمضمون الإيماني الجديد. 
وكذلك الأمر في أمور عديدة أخرى.
يحاول بعضهم التشكيك بالمسيحيّة بحجّة تبنّيها  طقوساً وممارسات، موجودة قبلها، وتالياً، ليست من اختراعها. حجّتهم في ذلك أنّها أخذت عما قبلها. وكأنّ أصالة الأمر باختراعه فقط!
 مبدأ مَسحَنة الحياة والمجتمع والتقاليد أمر طبيعي في المسيحيّة، وهو مبدأ قائم في كلّ الأديان. فطالما أنّ الدين يشمل مناحي الحياة جميعها، فمن الطبيعي أن يصبغها كلّها بصبغته الروحيّة من جهة، وأن يتبنّى بعضها، ويصيّره خاصّته، من جهة أخرى. هذا لا يعيب المسيحيّة، بل على العكس، يمنحها قيمة أرفع. فعندما استوعبت المسيحيّة الديانات الأقدم منها، أثبتت أنّها قادرة على أن تمنحها مضموناً جديداً، وأظهرت قدرتها على تلبية طموح البشر الروحي، وإشباع جوعهم إلى الحياة الحقيقيّة، وإعطاء المعنى لوجودهم. 
 بتعميد ما كان قبلها من أمور حسنة، أثبتت المسيحيّة قدرتها على منح البشر ما يصبون إليه، من روحانيّة وقيَم أخلاقيّة ومجتمعيّة. فباعتبارها متوجهة إلى الإنسان، تبنّت قضاياه، وما وصل إليه من أمور صالحة، فتمّمتها وأعطتها مضموناً جديداً، جاعلة إيّاها وسيلة للخلاص. 
يقودنا هذا الكلام إلى التأمّل قليلاً في واقعنا الروحي والرعائي بخاصّة. فإيقاع الحياة، في مجتمعات اليوم،  التي باتت لا دينيّة، أو اكتفت من الأديان بالظاهر، لم يعد محصوراً بالبعد الديني. والطابع الدنيوي بات طاغياً، بامتياز، على جميع مناحي الحياة. فحُرِم الإنسان من أحد أهمّ أبعاده، ولم يعد يجد النبع القادر على إروائه. ليس التهافت على الدنيويات علامة إنسان سليم، بقدر ما هو تثبيت لفراغ داخلي يبحث عن ملء، يظنّه في هذه وتلك من فانيات هذه الدنيا. 
 يجدر بنا، رعاة ومؤمنين، التمعّن في كيفيّة تعميد عالم اليوم وتنصيره، من أجل مخاطبته بلغة أمينة للإيمان، وقادرة على الوصول إليه. هذا يتطلّب، من جهة أولى، فهماً عميقاً للإنسان بعامّة، والإنسان المعاصر بخاصّة، ومن جهة ثانية، فهماً عميقاً للإيمان المسيحي، وتأصّلاً فيه، ووجداناً نقيّاً ممتلئاً بالروح القدس. 
 نظرة سريعة إلى بعض أساليب الرعاية المستحدثة في واقعنا الكنسي، تُظهر سطحيّة مخيفة في التعاطي الإيماني والإنساني، في العديد من الحالات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إقامة سهرة رأس السنة، في مبنى كنسي، لا يعني أنها صارت سهرة مسيحيّة. فإن نُظِّمت على غرار غيرها من سهرات الأماكن العامة، لا تكون قد أتت بجديد. يكون هذا الفعل دهرنة للمسيحية، وتثبيتاً للدنيويّة الماجنة التي تصبغ هذه المناسبة، ووهماً نرسخه في أذهان المؤمنين بخصوص حمايتهم من مجون السهرات الخارجية؟ لا يتم تعميد تقليد ما بسهولة واستخفاف واستبدال مكان بآخر، أو شيء بآخر يماثله في الشكل فقط!
 غاية الكنيسة، جسد المسيح، أن تفتح الإنسان على محبّة المسيح وحضوره الحيّ، لا أن تستبدل فعاليّات دنيويّة بمثلها، ولكن في إطار "مسيحيّ"، ظاهريّاً!!
 تعميد العالم، يعني تحويله إلى المسيح، لا تلوين الدهريات بصبغة مسيحيّة خارجيّة. والتحدّي اليوم كبير أمام المؤمنين، على هذا الصعيد. فما يوجد من ممارسات وتصرّفات وسلوكيّات رعائيّة يُظهِر أنّها بحاجة إلى تدقيق وتمحيص جدّيين، بغية أن نتبيّن الضلال المختبئ في أمور كثيرة. هذا يتطلّب أن تولي الكنيسة الرعاية اهتماماً أكثر بكثير ممّا هو حاصل، وأن يساعد المؤمنون في ترسيخ المناخ المسيحي حقاً، لا أن يضغطوا على الرعاة لكي يدهرنوا الرعاية.
علّنا بروح الصلاة، وحضور الروح القدس، نتبيّن، جميعاً، اللازم، كي تكون بشارتنا مستقيمة، وشهادتنا أمينة، فنسهم في خلاص الإنسان الذي أتى الله من أجله.