أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

في بداية هذا العام الجديد، أودّ أن أتأمّل وقرّائي الأحباء، في موضوع الحبّ، علّنا نستزيده فينا، ونجعله محور حياتنا، في هذه السنة.

وهل من إنسان لا يرغب فيه؟!
فجميعنا، والكلام للأب اللاهوتي ديمتري ستانيلوى، نرغب في أن نحب ونُحَبّ. جميعنا يسعى إلى الحبّ المطلق واللامحدود، ذاك، الذي يوجد، فقط، في العلاقة مع الشخص اللانهائي واللامحدود، أعني الله. جميعنا يجتهد، ويسعى إلى أن يكتشف، ويحصل على جمال أعظم، وإلى أن يعرف الحقيقة الأساسيّة، وإلى أن يترقّى، في جدّةٍ متواصلة...
... من علاقة حيّة، كهذه، مع الله، تسطع، فينا ومن خلالنا، على العالم، بجدّة، أكثر فأكثر، حقيقة، جمالاً، وعالماً جديداً، وتنكشف، أمامنا أكثر وأكثر، آفاق وأبعاد الحقيقة.
لذلك أضع أمامكم، أحبّائي، أقوالاً، ولا أعذب، ممّن اختبر الحبّ الإلهي والبشري، وعاشه بملئه. ومَنْ أكثر من القدّيس سلوان الآثوسي قادر على تنويرنا في هذا المجال!

+ "ما من غبطة أكبر وأعظم من أن نحبّ الله، من كلّ الفكر، ومن كلّ القلب، ومن كلّ النفس، كما أوصانا هو، وأن نحبّ القريب كالنفس. حين يملأ هذا الحبّ النفس، فإنّها تفرح وتتهلّل بكلّ شيء. لكن، حين تفقده، لا تجد، من بعد، أيّ سلام؛ فتضطرب، إذ ذاك، وتتّهم الآخرين بأنّهم أساؤوا إليها، وتغفل عن أنّها هي المذنبة، وأنّها فقدت حبّ الله، لأنّها أدانت أخاها، أو كرهته. النعمة تنبع من حبّ القريب؛ وبحبّنا للقريب، نحفظ هذه النعمة فينا. لكن، إذا لم نحبّ أخانا، فإنّ النعمة الإلهيّة لا تحلّ في نفوسنا".
+ "لو حفظ البشر وصايا المسيح، لصارت السماء على الأرض، ولحصل الجميع على كلّ احتياجاتهم، بجهد قليل. إنّ الروح الإلهي يحيا في نفوس البشر، لأنّه هو ذاته يبحث عن النفوس البشرية، ويتوق إلى السكن فينا. فإذا لم يجعل مسكنه فينا، فذلك مردّه إلى كبرياء نفوسنا".
+ "إنّنا فخورون بذكائنا. لهذا السبب، لا نستطيع أن نبقى ثابتين في هذه النعمة (الروح القدس)؛ لأنّها تبتعد عنّا، بسبب تفاخرنا..."
+ "لقد صار الناس، في زماننا، متكبّرين. لذلك، لا يمكنهم أن يحصلوا على الخلاص، إلا بالآلام والتوبة. أمّا الذين يبلغون الحبّ، فقلّة قليلة جدّاً".
+ "القلب المحبّ يشفق على كلّ الخليقة. أمّا الإنسان، فيا له من خليقة عظيمة سامية...إذا رأيت أنّه ابتعد وتاه، فعليك أن تصلّي لأجله بدموع، إذا استطعت. أمّا إذا لم تقدر على ذلك، فعلى الأقل، تنهّد لأجله قدّام الله؛ لأنّ السيّد يحبّ النفس التي تتصرّف على هذا النحو، لأنّها تصير مشابهة له".
+ "على هذا النحو كان يصلّي الأب باييسيوس من أجل تلميذه (بعد أن أنكر المسيح وتزوّج بامرأة يهوديّة)، حتّى يغفر له السيّد. والسيّد الربّ سُرَّ وارتضى هذه الصلاة، إلى حدّ أنّه أراد أن يأتي، هو نفسه، ويعزّي خادمه؛ فظهر له، قائلاً: " يا باييسيوس، لماذا أنت تصلّي من أجل الذي أنكرني؟". لكن باييسيوس قال: "يا سيّد، أنت رحوم ومتعطّف، فسامحه". فأجاب الرب: "آه، يا باييسيوس، لقد ماثلتني، بحبّك".
+ "الرجل البارّ يفكّر، قائلاً: "كلّ إنسان يبتعد عن الحقيقة يتجّه صوب فنائه". لهذا، هو يشفق عليه. أمّا الإنسان، الذي لم يتعلّم، من الروح القدس، أن يحبّ، فإنّه، بكلّ تأكيد، لن يصلّي لأجل أعدائه. من تعلّم، من الروح القدس، أن يحبّ، يتألّم، كلّ حياته، من أجل الذين لا يخلصون، ويذرف الدمع، مراراً، لأجل البشر، فتمنحه النعمة الإلهية القدرة على محبّة أعدائه. إذا كنت لا تحبّهم، فعلى الأقلّ، لا توبّخهم، ولا تلعنهم، فإنّ هذا، بحدّ ذاته، سيشكّل خطوة متقدّمة. لكن، إذا لعن الإنسان أعداءه وشتمهم، فهذا يعني، بوضوح، أنّ روحاً شرّيراً يسكن فيه. فإذا لم يتُبْ، فإنّه عند موته، سيذهب إلى حيث تسكن الأرواح الشرّيرة. ليحفظ الربّ كلّ نفس من شقاء كهذا".
+ "إنّ الكبرياء تجعلنا نخسر النعمة، وفي آن معاً، نخسر حبّنا لله، والجرأة في الصلاة. هكذا، تتعذّب النفس بالأفكار الشرّيرة، ولا تعرف أنّ عليها أن تتّضع، وأن تحبّ الأعداء؛ إذ من دون هذا الحبّ، يستحيل عليها أن تكون مرضية لله".
+ "إن النفس تحسّ بأنّ السيّد يحبّها، على الرغم من كثرة خطاياها. وكمثل الأيام التي قال فيها السيّد لزكّا: " يا زكّا... ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك"(لو19/5)؛ وذلك، فقط، لأنّ زكّا أراد أن يرى المسيح؛ كذلك، اليوم، أيضاً، يمكن أن يحدث الأمر نفسه للخاطئ، حين تعود نفسه تائبة إلى الله. لكن، في عصرنا هذا، انحرف الناس عن الطريق القويم، وصاروا كلّهم قساة القلوب، وعديمي الشفقة، ولم يبقَ مكان للحبّ. لذلك، هم لا يحسّون بحبّ الله لهم. وبسبب قساوة قلوبهم، يظنّون أنّ الله مماثل لهم؛ وأحياناً، يخسرون حتّى إيمانهم بالله كلياً".
+ "روحي تتألّم، وأنا أذرف سيلاً من العبرات. في داخلي رأفة نحو البشر، الذين لم يدركوا، بعد، عذوبة نخس القلب. في نفسي شهوة كبيرة: أن تظلّل رحمة السيّد جميع البشر، حتّى يدرك العالم بأسره عظمة الحنان، الذي يحبّنا به السيّد، كأولاده الأعزّاء جدّاً".

فلنفعّل طاقة الحبّ التي أوجدها الله في كلّ إنسان، ولننفتح على النعمة الإلهية، فنتشبّه بإلهنا المحبّة.