كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

يستشهد الإنجيلي متّى، في معرض روايته لميلاد المسيح، بما تنبّأ به إشعياء النبي عن المسيح، بالآية التالية: "هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، يُدعى عِمّانوئيل أي الله معنا"(متى 1/23). 
 كان الله بعيداً، قبل المسيح، فصار، بتجسّده، معنا. كان الله غامضاً، بالنسبة إلى الإنسان، فصار، في المسيح، واضحاً. كان مجهولاً، من البشر، فصار، بالمسيح، معروفاً. اعتاد الله أن يخاطب الإنسان من خلال شيء ما بمثابة وسيط، كالعليقة المشتعلة والنسيم اللطيف والغمام والظلام الكثيف...إلخ، فصار، بالمسيح، يخاطبه مباشرة. ما استطاع موسى النبي رؤية وجه الله، بل ظهره "أما وجهي فلا تقدر أن تراه، لأن الذي يراني لا يعيش" (خر33/20)، بينما رأى الرسل الثلاثة مجد الله ساطعاً على جبل ثابور (حادثة التجليّ). ما كان بمقدور الإنسان معرفة الله، وتالياً الوصول إليه، فأتى الله بكلمته المتجسِّد إلى الإنسان، وصار "معنا". 
 "كلّم الله آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء، مرّات كثيرة، وبمختلف الوسائل، ولكنّه في هذه الأيام الأخيرة كلّمنا بابنه، الذي جعله وارثاً لكلّ شيء وبه خلق العالم"(عب1/1). في ميلاد المسيح انحنت السماء على الأرض وصارت وإياها واحداً. فقد تشرّف الجسد البشري بالألوهة. وما تزال الكنيسة تقول، مع القدّيس إيريناوس، أسقف ليون (القرن الثاني): "صار الإله إنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً". 
 ما دام المسيح عِمّانوئيل: الله معنا، فهو معنا دائماً، ولا يقتصر حضوره على سنوات تجسّده المعدودة. أتى لا ليغادرنا، بل ليبقى معنا، حاضراً ومخلِّصاً وفاعلاً في حياتنا. ينتهي إنجيل متّى بقول الربّ: "وها أنا معكم طوال الأيام، إلى انقضاء الدهر"(مت28/20).
 يسائلنا العيد حول تجاوبنا مع حضوره معنا. هل نعي حقاً أنّه معنا؟ كيف نتحسّس حضوره؟ نؤمن أنّه أتى إلينا مخلِّصاً، لكن أترانا ننفتح عليه، حقاً؟ لا يكفي التغنّي بمحبّته، فهذه تتطلّب استجابةً منّا. وقد جاء على لسانه في سفر الرؤيا: "ها أنا واقف على الباب أدقّه، فإنْ سمع أحد صوتي وفتح الباب دخلت إليه وتعشّيت معه وتعشّى هو معي"(رؤ3/20). هل أفتح له الباب وأستقبله؟
رسم أحد الفنّانين لوحة تمثّل هذا المشهد. يسوع يدقّ على باب. لم يكن في اللوحة أيّ عيب أو نقصان. فصاح أحد النقّاد الفنّيين بالرسام قائلاً: لوحتك كاملة الأوصاف يا صاح، لكنّك نسيت أن ترسم مقبضاً للباب. فأجابه الرسام: إنّ مقبض الباب الذي يدقّ يسوع عليه من الداخل يا صديقي!! 
يدقّ الله على باب كلّ إنسان، بانتظار الجواب. لا يقتحم الله البشر. لا يأخذهم عنوة، ولا يجبرهم على استقباله. يريدهم أبناء له، لا عبيداً. "لا أدعوكم عبيداً بعد الآن،... بل أدعوكم أحبّائي" (يو15/15). يريدنا أحبّاء ولذلك يطيل أناته علينا، ليفسح المجال لنا كي نبادله بالحبّ فنصير أبناءً له. يحاول أن يوقظنا بطرق شتّى. يعرفنا جيّداً ويستميلنا إليه بما يراه مفيداً لنا. ولكن من الضروري للإنسان أن يرى يد الله في ما يحصل معه. وهذا يتطلّب عيوناً روحيّة تلحظ الإلهيّات، وتواضعاً داخلياً يتحسّس لها.
 كثيراً ما يتذمّر البشر على الله في أوقات شدّتهم، ويتّهمونه بالتخلّي عنهم. مع أنّه، آنذاك، قد يكون إلى جانبهم بقوّة، ولكنّهم لا يرونه. اعتاد إنسان أن يرى دَوْس رجلي ملاكه الحارس إلى جانب دَوْس رجليه دائماً. وفي إحدى المرّات تعرّض لضيق شديد، وطال زمن شدّته، وزادت وطأته عليه، ولم يعد يرى دَوْس الملاك. فصرخ، من ألمه، قائلاً: أين أنت؟ أنا أحتاج إليك في شدّتي أكثر، وأطلبك ولا أراك، ولا أرى دَوْس قدميك، لماذا تركتني؟ فأجابه الملاك: لم أتركك قطّ، والدَوْس الذي ترى أثره هو لي، لأنني لم أعد، في شدّتك، أسير إلى جانبك، بل أحملك على كتفي.
مشكلة البشر، عموماً، أنّهم لا يعطون حضور الله الاهتمام الكافي، ولا يعرفون كيف، وأين، ومتى يعون هذا الحضور. ذلك لأنّهم لا يصغون إليه، بقدر ما يصغون إلى أنفسهم. كيف يعي الإنسان حضور آخر ما معه، إن لم يكن يعيره أيّ اهتمام؟! آنذاك لن ينتبه إليه ولن يلاحظه. فإذا كان هذا الأمر يحصل مع إنسان منظور، فكم بالأحرى مع الله غير المنظور؟
 يحتاج الإنسان إلى أن يكون مصغياً، كمريم العذراء، وإلى أن يحفظ الكلام الإلهي في قلبه. آنذاك يستطيع أن يقول له، مثلها، "ليكن لي بحسب قولك".
 لكن كيف أعرف أنّني أصغي إليه، طالما أنّني لا أواظب على قراءة كلمته بتمعّن وهدوء وتأمّل؟ كيف أصغي وأنا لا أمنحه وقتاً لأقضيه بصحبته؟ كيف أصغي إليه ولا أتكلّم معه؟ كيف أصغي وأنا مشغول بأمور كثيرة، والأمر الوحيد الذي أحتاج إليه منسيّ عندي؟ وما هي علامة الإصغاء إليه؟ 
 إنّها في تغيّري نحو الأفضل. كلمته تفعل فيّ، وتفعِّل حضوره معي. إن كنت أسير مع الله، فمن المحال أن لا أتغيّر، من المستحيل أن أبقى كما أنا. فحضوره الحقّ فيّ يقيمني في سعي دائم إلى أن أكره الشرّ وأسعى إلى الخير؛ أحارب الرذيلة، التي في داخلي، وأسعى إلى الفضيلة؛ أخلع الإنسان القديم وألبس الجديد؛ أهجر الحقد وأمتلئ بالمحبّة؛ أهمل الانتقام وأحبّ الغفران، وأعطي لكلّ أمر في حياتي حقّه. يلبسني الرجاء في قلب المأساة بدلاً من اليأس. حضوره فيَّ يجعلني متوجهاً نحو الحياة الحقّة، فلا تقتصر حياتي على بضع سنوات أقضيها على هذه الأرض، بل تصير الحياة الأبدية بغيتي وغايتي. أحيا على الأرض وأسلك وأتصرّف بما يخدم حياتي الأبدية. 
 عند ذاك تصير حياتي ههنا أبدية، بمعنى أنّها لا تحصرني بأمورها المعيشية فقط، بل أنطلق بها إلى رحاب أوسع وأجمل. فأذوق، في قلب معيشتي، طعم الحياة مع الله، والاغتذاء بنعمته الفاعلة، والتعزّي بحبّه، والتشدّد بقوّته، منذ الآن. يصير الله في حياتي هنا والآن. تتغيّر حياتي، وتالياً حياة الذين هم مِنْ حولي، إلى الأفضل. "كن في سلام والألوف الذين من حولك سيجدون السلام" (القدّيس سيرافيم ساروف).
 تجسّد المسيح يطالبني بأن أستجيب له، فأفتح عينيّ وقلبي ويديّ. إن بقيت منقبضاً على ذاتي، وعائشاً في الخوف، يكون العيد مجرّد مناسبة عابرة لا أكثر.