كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

تُشتقّ لفظة "المسكونيّة" من "المسكونة"، وهي الأماكن المأهولة بالسكّان، وقد عُرفت الإمبراطورية الرومانية بهذا اللقب. باتت هذه اللفظة صفة للعلاقات القائمة بين "الكنائس" المسيحيّة. والمصطلح المستعمل في هذا السياق هو "الحركة المسكونيّة". 
 انطلقت هذه الحركة في بدايات القرن العشرين. وكانت في بدئها علاقة حوار بين البروتستانت والأرثوذكس. تحسّس البروتستانت الحاجة إلى التلاقي والحوار في ما بينهم، بسبب البنية التفريخيّة، التي قامت عليها حركة الإصلاح. باتت الفئات البروتستانتيّة، اليوم، لكثرتها، أصعب من أن تُعَدّ. من هنا انطلق البروتستانت تجاه الفئات المسيحيّة الأخرى. غير أنّ الروح المسكونيّة عمّت الجميع، إذ سرعان ما بدأت الحوارات، الرسمية وغير الرسمية، بين مختلف الكنائس.
 لا شكّ في أنّ القرن العشرين، وبسبب ما شهده من حروب وويلات، من جهة، ومن تطوّر متقدّم وسريع في شأن التواصل ووسائله التكنولوجيّة المتنوّعة، من جهة أخرى، لعب دوراً عظيماً في تنمية الحسّ بالحاجة إلى الحوار والتلاقي، على كافّة صعد الحياة. كما أنّ الحاجة إلى التلاقي، في ذلك القرن، أعطت البشريّة دفعاً قويّاً باتجاه منطق الحوار. لم يشهد التاريخ البشري مؤسّسات مخصّصة للحوار والتلاقي، في جميع المجالات، والدينيّة منها، كما حدث في تاريخنا القريب.
 في ذلك الجو المشحون بالآمال بسلام عالمي دائم، بعد مآسي الحربين العالميّتين، نشأ سعيٌ صادقٌ نحو التقارب المسيحيّ - المسيحيّ، عند قادة كثر، من مختلف الجماعات المسيحيّة. فكانت الحركة المسكونيّة، التي تميّزت، في بدء نشوئها، برغبة شديدة بالتواصل والتلاقي والتقارب، وصار حلم الوحدة يدغدغ الكثيرين. 
 شارك في هذه الحركة كثرة من أقطاب اللاهوتيين الأرثوذكس في القرن العشرين، مدفوعين برغبة حارّة في الشهادة للإيمان "المسلَّم مرّة للقدّيسين". هذا لا يعني أنّ جميع الذين انخرطوا في هذه الحركة كانوا يتمتّعون بالرغبة الصادقة ذاتها. وقد انضمّ الكاثوليك، رسميّاً، إلى هذه الحركة بعد عدة عقود من نشوئها. لأنّهم اعتبروا، حتّى المجمع الفاتيكاني الثاني، على الأقل، أنّهم الكنيسة التي يجب أن يلتحق بها جميع المسيحيين، إن ابتغوا الوحدة. 
 في الحقيقة، لم يختلف موقفهم هذا، في العمق، عن الأرثوذكس، الذين يؤمنون بأنّ كنيستهم هي الأمينة على التعليم المسيحي الرسوليّ، وتالياً هي الأمّ، التي تركها الآخرون، الذين إن سعوا إلى الكنيسة الواحدة، فما عليهم سوى العودة إلى الكنيسة (بأل التعريف)، التي هي الكنيسة الأرثوذكسيّة. شارك الأرثوذكسيّون في الحركة المسكونيّة انطلاقاً من أهميّة الشهادة لإيمانهم، في حين بقي الكاثوليك، في "مجلس الكنائس العالمي"، مجرّد مراقبين. 
 حمل هذه الدعوة لاهوتيّون عظماء من أمثال الأب جورج فلورفسكي الروسيّ، والقدّيس المطران نيقولاي فيليميروفيتش الصربي، الأب الروحيّ للقدّيس يوستينوس بوبوفيتش. هؤلاء وأمثالهم كانوا رجال حوار من الطراز الأول، وقد تميّزوا بقول الحقّ بمحبّة. وصارحوا الإخوة المسيحيين غير الأرثوذكس بإيمانهم هذا وكانوا على علاقة وطيدة بهم.
 من الأسباب التي دعت الأرثوذكس إلى المشاركة، في الحركة المسكونية، الهجرة، التي سبّبتها الثورة البلشفيّة، في روسيا، ومن ثمّ الهجرات التي تلتها، من البلدان الأرثوذكسيّة، التي دخلت في الفلك الشيوعيّ، بعد الحرب العالميّة الثانية. وكذلك هجرة الكثيرين من الأرثوذكس الأنطاكيين، بسبب الجور العثماني، بعد منتصف القرن التاسع عشر. لقد وجد هؤلاء أنفسهم، للمرّة الأولى، أقليّات في وسط مسيحيّ مختلف. فدعاهم وضعهم الجديد إلى التعريف بأنفسهم من جهة، وإلى معرفة المسيحيين الآخرين عن قرب، من جهة أخرى.
 لكن الحركة المسكونيّة سرعان ما تمأسست، ولم تبقَ دعوةَ تلاقٍ عفويّة. صار لها مؤسّسات ترعاها، وتدعو إليها، وتبشّر بها. وكلّ مؤسّسة في الكنيسة مدعاة لتجربة خطرة. تحتاج المؤسّسة إلى تنظيم وقوانين وتمويل وموظفين...إلخ. ما يوقعها في فخّ الوظيفيّة والمصلحية، فتضعف المبادرات الشخصيّة التي يحرّكها الروح القدس. إلى ذلك تحتاج المؤسّسات إلى دعم مالي كبير، ما يفتح باب التجربة على البحث عن مصادر التمويل المطلوبة وقبولها، وتالياً الوقوع في تجربة استسهال قبولها. 
ظهرت، في سياق العمل المسكوني، نظريات ومصطلحات جديدة،  كالوحدة في التنوّع، والكنائس الأغصان، وكنيسة لعالمنا...إلخ، وقد برّرت هذه النظريات الوضع الانقسامي الحاصل، وأسبغت عليه مسحة قبول واقعيّة. فلم تتوافق السياسات الوحدويّة مع لاهوت جميع الكنائس الأعضاء. ممّا ساهم في إعادة فتح السجال حول جدوى هذه اللقاءات.

كذلك لعبت الليبراليّة الدينيّة، التي تسارعت بعد منتصف القرن العشرين، دوراً رئيساً في خبو وهج العمل المسكوني. فبدأ بعضهم يشعر بخيانته للإيمان المستقيم، عندما يلتقي بمسيحيين، ذهبوا بعيداً في تفسيرهم للأخلاقيّة الإنجيليّة، وانطلقوا من العالم إلى الإنجيل، وباتوا يلوونه (الإنجيل) ليتوافق مع المفاهيم السائدة عالميّاً. 
على سبيل المثال، حمل اجتماع الجمعيّة العموميّة لمجلس الكنائس العالمي، في العام 19544، عنوان "الخلاص"، غير أنّه بحث في أبعاد الخلاص الدنيويّ بكافّة أنواعها، وما تطرّق إلى الخلاص الأبدي بالمسيح!!
 كما أنّ استمرار سياسة اقتناص الأرثوذكس، من قِبَل الكاثوليك والبروتستانت، جعل الكثيرين من الأرثوذكس يتراجعون عن تأييدهم لهذه الحركة. أمّا عودة الكنائس الأرثوذكسيّة، في بلدان المعسكر الشيوعي سابقاً، إلى النمو، بعد تحرّرها من نير الاضطهاد، وبقائها عقوداً في عزلة عن التواصل مع العالم المسيحي، فأظهر رفضاً واسعاً وشديداً لكلّ أنواع التعامل مع المسيحيين الآخرين. 
 لعبت العولمة دوراً عظيماً في تغيير العالم في العقدين الأخيرين. إنّ طغيان الثقافة المعولمة، ذات السمات الثقافيّة الغريبة عن الثقافات المحليّة، والمضادّة لها، أدى إلى زعزعة أسس المجتمعات البشريّة، وساهم في تفكيكها، لا على الصعيد الثقافي فقط، بل الوطني والقومي أيضاً. ما أدّى إلى ظهور جماعات متطرّفةً، في رفض الحداثة، انطلاقاً من حرصها على الإرث المحلي، وحفظه من الذوبان والاضمحلال. ولم تنجو الجماعات الدينيّة من هذا النزاع. 
 هذا وغيره من عوامل أخرى، ساهم في تراجع الحماس عن الحركة المسكونيّة، لا بل في ظهور مجموعات لاهوتيّة وشعبيّة عديدة، هنا وثمّة، ترفضها كليّاً، وتدعو إلى مقاطعتها.
 لكن دعوات المقاطعة الكليّة اصطدمت مع أخرى، معاكسة، تريد التلاقي والحوار والتواصل مع الآخر المختلف. ما أنشأ صراعاً داخل الكنائس الأرثوذكسيّة، [وغيرها أيضاً] بات يهدّد بانقسامات جديدة، إذا لم يع الطرفان خطورة تشدّدهما المفرط، الذي يعكس ذاتيّتهما في دعم موقفيهما، إلى حدّ يغلق على الروح القدس العمل فيهما، لا بل يمنعاهما من الإصغاء إليه. اعتبر كلّ طرف أنّه الناطق باسم الله، والأكثر أمانة له!! 
يكمن الخطر الأعظم عند الرافضين في ظهور نَفَس تكفيريّ  يهرطق كلّ من لا يقول قولهم، وعند المؤيّدين، في ظهور نَفَس استعلائي يزدري كلّ من يهاجمهم ولا يوافقهم. بينما المحبّة المتألّمة، حبّاً بالآخر وبكنيسة المسيح، غائبة تماماً عن كليهما. بات الحقّ، عندهما، منفصلاً، بالكليّة، عن الإنسان، الذي أتى المسيح ومات من أجل خلاصه. 
 طرف يزداد انعزالاً وخوفاً، وآخر يزداد انسياقا وإعثاراً. والأصوات تعلو، عن معرفة أو عن جهل، على صوت المسيح، الداعي الكلّ إلى أن يكونوا واحداً!!!