كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

بدأ وهج الحركة المسكونيّة يخبو، في تسعينيّات القرن الماضي. فقد بدا حلم الوحدة المسيحيّة بعيد المنال، بعد الانتشار المتسارع لليبراليّة الدينيّة، الخالية من الضوابط الإيمانيّة، عند بعض الفئات المسيحيّة، التي لا تعترف بالتقليد الكنسي، وتزايد العمل التبشيريّ بين الجماعات المسيحيّة. إذ استمرّت فئات عديدة من البروتستانت في العمل على اقتناص الأرثوذكس والكاثوليك، كما ازداد العمل التبشيريّ الكاثوليكيّ، إلى جانب البروتستانتيّ، في بلدان المنظومة الشيوعيّة السابقة، بخاصّة، وهذه معظمها أرثوذكسي. اعتُبرت روسيا، على سبيل المثال، أرضاً تبشيريّة!! 
 كذلك اللاهوتيّون الأرثوذكس الكبار، الذين ساهموا، بصدق، في العمل المسكوني، انطلاقاً من إيمانهم بأهميّة الشهادة لإيمانهم الأصيل، ومعرفة المسيحييّن بعضهم بعضاً، من خلال التلاقي الشخصيّ الحيّ، بدأوا يلمسون في المؤسسات المسكونيّة العالميّة نهجاً بحاجة إلى التصويب، ويرون فيه خروجاً عن الأهداف، التي وُضعت في بدء انطلاقة هذا العمل؛ كقبول الواقع الانقساميّ وتبريره، وتوجّه العمل المسكوني نحو القضايا العمليّة والسياسيّة والبيئيّة ...، وإهمال البعد اللاهوتي في مسيرة الوحدة.
 كان لوقع تعميم مجمع تحديد الإيمان الفاتيكاني، الذي ظهر في أواخر التسعينيّات، تأثير سلبي على العمل المسكوني. إذ طالب الأساقفة الكاثوليك برفض تسمية الكنائس الأرثوذكسيّة بالشقيقة، انطلاقاً من الإيمان بأمومة الكنيسة الكاثوليكيّة، وكذلك، تسميته للكنائس البروتستانتيّة بالجماعات المسيحيّة. كذلك ظهر في الكنيسة الأرثوذكسية تيار لاهوتي يرفض تسمية الفئات المسيحيّة الأخرى بالكنائس، معتبراً أنّ الكنيسة بأل التعريف هي الأرثوذكسيّة. 
 في هذه الفترة، وما تلاها، بدأت بعض الفئات البروتستانتيّة تقبل المرأة في سلك الكهنوت، ومن ثمّ في المصف الأسقفي. ولم يبقَ الأمر عند هذا الحدّ!! فمع تزايد مطالب المثليين بقَوْنَنَة وضعهم، بدأت بعض هذه الفئات تقبل بهم حتّى في القسوسيّة. ورسم الأنكليكان أوّل كهنة مثليين في ثمانينيّات القرن العشرين. ما دفع الكثير من الأرثوذكسييّن إلى مراجعة موقفهم من المشاركة في مجلس الكنائس العالمي، وبعضهم وجد أن لا جدوى من نشاطاته. 
 أمّا بخصوص القضايا اللاهوتيّة، وهي بيت القصيد، فلم يتم التوصل إلى اتفاق إيمانيّ. ولأنّ المؤسّسات المسكونيّة العالميّة والإقليمية غير مُلزِمَة للكنائس الأعضاء، وليس لها سلطة عليها، كان لزاماً على كلّ وفد أن يحمل النتائج، التي توصّل المجتمعون إليها، إلى كنيسته، ليُصار إلى دراستها، وصولاً إلى قبولها أو رفضها أو تزويدها بالملاحظات. هذا المجال بقي محصوراً في مَن يعملون فيه، عموماً، ولم يدخل إلى وجدان الشعب المؤمن، الذي بقي غريباً عمّا يجري في هذه المؤسّسات، وبقيت هذه المؤسّسات مصدر تشويش وشكّ عنده.
 هذا كلّه، إلى جانب أسباب أخرى، أرخى بظلاله على زخم العمل المسكوني، فبدأت مسيرة مراجعته، وإعادة تقييمه. وشكّكت بعض الأوساط الكنسيّة، جديّاً، بفائدته، ودعا بعضها إلى الانسحاب منه. بدأت إعادة النظر فيه انطلاقاً من مؤسّسته الكبرى: مجلس الكنائس العالمي. 
 ثمّة تمييز مهم مطلوب في هذا الحقل. فمن الضروري التمييز بين المؤسّسات المسكونيّة العالميّة، كمجلس الكنائس العالمي واتحاد الطلبة المسيحييّن وغيرها، وبين العلاقات المسيحيّة – المسيحيّة، التي تتمّ على مستوى الكنائس رسميّاً، إمّا لبحث أمور الإيمان في ما بينها، كاجتماعات الحوار اللاهوتي الأرثوذكسي – الكاثوليكي، والحوار الذي تمّ بين الكنائس الأرثوذكسيّة الخلقيدونيّة واللا خلقيدونيّة (الأقباط والسريان والأرمن والأثيوبيين)، أو لتنسيق الشهادة المسيحيّة، أو لمناقشة أمور الرعاية، وتلك المشتركة، في بقعة جغرافيّة واحدة، أي على صعيد محليّ. 
 الكثيرون ممّن يرفضون العمل المسكوني، اليوم، ينطلقون، في رفضهم له، من الخطر الذي يستشعرونه في مؤسّساته العالميّة. ويدفعهم الخوف، منه، على الاستقامة العقائديّة، إلى حدّ هرطقته ومقاطعته كليّاً. بينما لا يرى جميع الأرثوذكسييّن صوابيّة هذا الموقف، ويعتبره كثيرون انغلاقاً، على الذات مفرطاً، ومناقضاً لموقف المسيح من العالم.
 يبقى خطر حصول انقسامات جديدة، داخل الكنيسة الواحدة، وارداً، من جرّاء التشدّد المفرط، في رفض الحوار الداخلي، بين أبناء الكنيسة الواحدة، بخصوص اتّخاذ موقف ما، ممّا يجري في العالم، وعلى الأخصّ في العلاقة مع الآخرين، سواء كانوا مسيحييّن من مذاهب أخرى، أو مؤمنين من أديان أخرى، أو ملحدين.
عندما حضر البطريرك المسكونيّ قدّاس عيد القدّيس بطرس، في الفاتيكان، لابساً "المنتيّة" للمرّة الأولى، في أواخر سبعينيّات القرن الماضي، تنادى آباء الجبل المقدّس (آثوس) إلى الاجتماع، رافضين موقف البطريرك، ومعتبرينه مبادرة خطِرة على استقامة الإيمان الأرثوذكسيّ. دار، في ما بينهم، نقاش حامٍ، وطالب الأكثرون بقطع الشركة مع البطريرك، وعدم ذكره في القدّاس الإلهي. [يتبع الجبل المقدّس، كنسيّاً، للبطريركيّة المسكونيّة]. كان رأي الأرشمندريت برثانيوس، رئيس دير القديس بولس، أكثر حكمة. تلخّص موقفه في توجيه رسالة صريحة، إلى البطريرك، تبيّن خطأ ما قام به وخطورته، وتنذر بتداعياته على الجسم الأرثوذكسيّ. وقد استند في رفضه قطع الشركة، مع البطريرك، إلى ضرورة عدم انطلاق الآباء المجتمعين من وضعهم المستقلّ، والبعيد، نسبيّاً، عن العالم وضغوطه وتحدّياته المباشرة عليهم، وتالياً تقدير وضع البطريرك الشائك، الذي يحيا تحت سقف ضغوط وتحدّيات قاسية، ومصوّبة عليه، من عدّة جهات. فكان أن استقطب موقفه معظم آراء الآباء المجتمعين، وتمّ اعتماده. 
 يبقى آباء الجبل المقدّس مراقبين دائمين، وحفظة، لاستقامة الإيمان، في العالم الأرثوذكسي. ويبقى استلهام الروح القدس، بالتشاور بين الإخوة، ضمانة حقيقيّة لاتّخاذ مواقف بنّاءة، موافِقة لروح الإنجيل. أمّا التمييز بين الخروج عن الإيمان، وبين الاختلاف في التعاطي مع التحدّيات المطروحة، فيبقى أساساً تُبنى عليه العلاقات المشتركة، مع أيّ طرف مغاير. 
 بات تحسّس ضرورة التلاقي والحوار، الداخلي والخارجي، من سمات عالمنا المعاصر. أمّا تقدير أهميّته فيختلف من مجتمع يحمل ثقافة التنوّع والتعدّدية، إلى آخر ذي ثقافة واحدة تقريباً. وهنا تكمن إحدى مشاكل العمل المسكوني الكبرى، فيُطرح السؤال التالي: هل تحدّد الكنيسة علاقتها مع الآخرين، ومع العالم عموماً، وترسمها، انطلاقاً من الواقع الديموغرافي والجغرافي، أم انطلاقاً من إيمانها بضرورة الشهادة للحقيقة التي تحملها؟ وإلى أيّ حدّ تلعب الثقافة المجتمعيّة دوراً في ذلك؟ 
كما تُطرح الأسئلة التالية: ما هي الغاية المنشودة من أيّ حوار مطلوب؟ وما هي ماهيّته؟ وكيف يجب أن يتم؟ وما هي المواضيع التي يجب التطرّق إليها، ليكون حواراً مثمراً وإيجابيّاً؟ كذلك ما هي انعكاسات الحوار على المجموعات المتحاورة، وعلى عيشها المشترك على أرض واحدة، وفي بلد واحد؟ وهل كلّ حوار بنّاء؟ وهل الكنيسة مضطرّة إلى قبول أيّ دعوة تُوَجَّه إليها؟ وهل تبقى الكنيسة مجرّد متلقيّة للدعوات من غيرها؟ أليس من واجبها أن تكون هي السبّاقة في الدعوة إلى التلاقي، عندما تتطلّب الحاجة إلى المشورة والشهادة الواحدة، وتكون الفائدة عميمة؟
 القول بعدم الحوار والتلاقي بالمطلق يحمل خطراً كبيراً، لأنّ فيه تراجعاً عن الشهادة للإيمان الحيّ، وهروباً من مواجهة التحدّيات، بالانكفاء على الذات. والانكفاء يؤدي إلى انعزال قاتل، على المدى الطويل. إذ ينمّي البعد والغربة تجاه كلّ مغاير له، ويُبقي أصحابه منتشين بعيشِ ما يعتقدونه أمانة، في تجاهلٍ لتداعيات التغيّرات المجتمعيّة، ولغة الشهادة والبشارة، ما يجعلهم مجرّد متأثرين، سلباً، به، ولكن غير فاعلين فيه.