كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

مهداة لسيادة المطران نقولا بعلبكي
 امتهنتَ الطبّ، والجراحة بخاصّة، وكانت الطريق أمامك مفتوحة، على الترقّي في الحياة الدنيا. أمّا خصالك، المُعَمَّدة بروح الإنجيل، فقد منحتك أوسع إمكانيّات النجاح والامتداد، في عالم الاستشفاء الجسدي، الذي اخترته بدءاً. لكن طبيب النفوس والأجساد، الذي فتنك منذ شبابك، هيّأ لك طريقاً أخرى، ودعاك لتقتفي خطاه. ولعلّ ملامستك لآلام البشر الجسديّة، وعلمك بعلاقتها بالنفس والروح، قاداك إلى الاستجابة له فوراً. فاخترتَ طريق الاستشفاء الأعمق، وتوجّهت إلى مداواة النفس، طارقاً باب الكهنوت. 
 القدّيس لوقا الطبيب، من قبلك، سار على هذه الخطى. في زمن الشيوعيّة الروسيّة، كنتَ تجد مطراناً وطبيباً جرّاحاً، في الآن ذاته، يمارس خدمته الأسقفيّة، ويزاول مهنته الطبيّة، بكفاءة نادرة. وكلّنا يعرف، يا أخي، أنّك ما انقطعت عن ممارسة الجراحة، إلا منذ زمن قصير جدّاً. 
 كفاءتك العلميّة هذه، مع تواضعك الروحيّ، ونظافة كفّك ولسانك، المعروف بها، ودفء رعايتك حيثما خدمت، جعلتْ آباء المجمع الأنطاكيّ، في شبه إجماع على اختيارك أسقفاً، على أبرشيّة عظيمة بتقى أهلها وتمّسكهم بأرثوذكسيّتهم. وهي، بدورها، تنتظر الكثير الكثير منك، بعد أن انتدبك الروح القدس إلى خدمتها. 
 سيدفع بك الكثيرون نحو العمل في الحَجَر والإدارة والمحاسبة، وهو حقل غير بطّال، لا بل لازمٌ لأبرشيّة المسيح، لأنّ أمورها يجب أن تتم "بلياقة وترتيب". لكن الرجاء الأقوى يكمن، عندنا، في أن يدفعك الأكثرون نحو إصلاح النفوس وشفائها، وتهذيبها بآداب الإنجيل. 
 بناء البشر يضمن الحجر، ويعطيه المعنى. بينما الحجر وحده، عاجز عن حمل البشرى السارّة بربّ الكنيسة، وغير قادر، تالياً، على الشهادة. لا بل قد يشوّهها، وعلى الأخصّ، عندما يكون بأيدي من فقدوا خوف الله. أمَا قال الرسول العظيم بولس إن "الإنسان هيكل الروح القدس"؟ غريب أمر البشر يا أخي! فمع أنّ إنجيلهم واضح جدّاً، إلا أنّهم يُسَرّون، على الأكثر، بالاقتصار على دغدغة عواطفهم ومشاعرهم الوقتيّة، وعدم الدخول إلى عمق إنسانهم الداخليّ، المدعوّ إلى أن يصير على مثال الله.
 غير أنّ ما نعرفه عنك، من مرافقة شخصيّة لشعب الله، ورعاية دؤوبة له، في غير مكان، وحنان قادك، مراراً، إلى اللحاق ببعضهم إلى المستشفيات، يجعلنا واثقين من قدرتك على تغذيته بالكلمة الإلهيّة المحيية، وإشباعه من خبز الحياة. 
 كيف ستتحوّل أبرشيّتك إلى ما تحلم به لها؟ هذا اتركه لربّك. عندما استلمت أبرشيّتي، ما كان فيها من متاع الدنيا إلا النزر الأقل من اليسير. لكن حفنة من شعب الله كانت ما تزال موجودة فيها، ومن أجلها غمر الربّ الأبرشيّة بالنعم.
في حفل التنصيب، قالت امرأة مسنّة، من أبناء الأبرشيّة، لأحد معارفي: "نحن أرض عطشى، أرجو أن يكون المطران الجديد غيمة دائمة المطر". فقلت لنفسي: ما الذي يمكنني تقديمه لتربة مشقّقة ومتصحّرة، وما بحوزتي شيء، سوى أن أبسط كَفّيَ المليئتَيْن بغبار خطاياي وتقصيري، أمام الله؟!
 لقد ملأهما وفاضتا على الأبرشيّة، بما يذهلني حتّى الآن، ولا أجد له جواباً، إلا في استمرار رفعهما، فارغتين، إليه، مفسحاً الطريق له، كي يتابع، هو بنفسه، تربية شعبه مستخدماً إياي مجرّد أداة. أليس هو شعبه؟ في غمرة العمل وتراكم المشاغل، قد نُجرَّب، نحن الإكليريكيين، بنسيان هذه الحقيقة، فنأخذ دور سيّد الكنيسة، ونحن غافلون. 
 لا تقلق أمام العوائق الكثيرة، التي سيضعها الشيطان أمامك. ما من نهضة روحيّة من دون تجارب شتّى. سهام الشياطين موجّهة على الأسقف أوّلاً، طالما أنّه يعاندهم، في تأبطه إنجيل يسوع المسيح. وكلّما زادت الحروب عليه، منحه الله قوّة أعظم، ونجاحاً أوفر. 
 غير أنّنا، نحن الأساقفة، لضعفنا البشري، كثيراً ما نطلب التعزية من غيره، لأنّنا بحاجة إلى تعزيات ملموسة، ونفتقد إلى حياة الشركة المسيحيّة الحيّة. فتراه، لمحبّته الغامرة، كثيراً، ما يعزّينا بإخوةٍ يضعهم أمامنا، في الوقت والمكان المناسبين. وكثيراً ما يكلّمنا بواسطتهم، ويُظهِر لنا ما نفتّش عنه من خلالهم. 
 وتبقى تعزيتنا العظمى في مائدة الربّ. ما من تعزية لنا أفضل من القدّاس الإلهي. كأس الربّ هي نبع القوّة والتشديد والفهم الروحي واللاهوتي. صلاتك الحيّة، وأنت رجل صلاة، ستكون سنداً قوّياً لك في خدمتك الجديدة. ركونك إلى ربّك في خلوات متواترة، سيملؤك من حضوره، فتواجه الصعاب بسلام، لا من هذا العالم، وأنت غير هيّاب. 
 شعبنا في كلّ الأبرشيّات واحد. يطلب من المطران كلّ ما يعجز هو عنه. ومع الأزمات والمحن الحاليّة يزداد شعوره بالحاجة إلى أب، ويريده أباً حنوناً وقائداً وحاضناً في الوقت ذاته. تعرف، مثلي، أنّه يطلب، أحياناً، ما لا طاقة لنا به، لكنّه يفعل هذا لأن لا سند له غيرنا.
خِدمتنا ليست أقل من أن نصير مسيحاً آخر. كيف يتمّ هذا؟ الجواب سريّ، وهو عند الله وحده. فهو الذي يعرف، كما لا يعرف غيره، كيف يسكب تعزياته في قلب المطران المتألّم، على شعبه ومن أجله. أنت داويتَ الجسد والنفس لسنين طويلة، وألمك على شعب الله أشدّ، لأنّك تدرك، أكثر من غيرك، مقدار المعاناة البشريّة. وهذا ما يجعلك تتقبّل نِعَم الله ومراحمه بوفرة. فكلّما عمقت المحبّة، ازدادت آلام المحبّ، وكثرت، معها، عطايا الربّ.
 يحقّ لهذا الشعب أن ينتظر الكثير منك، لأنّ ربّك قد منحك الكثير. سِرْ على هذا الرجاء، الذي لا يخيب، وسيغمر الربّ سهول الأبرشيّة الواسعة بغمارٍ من حزم القمح وعناقيد العنب، لتُقَدَّمَ له أبرشيّةً معجونة بالمحبّة، ومختمرة بالطهارة، وتصير، برعايتك، جسده الحيّ، النابض، أبداً، بالدم الحارّ والمُحيي.