كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

تقول رسالة العيد "لمّا حان ملء الزمان، أرسل الله ابنه، مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين هم تحت الناموس، لننال التبنّي"(غلا 4/4). ما هو ملء الزمان؟ إنّه الوقت الأنسب لمجيء المخلِّص. لماذا؟ وهل يحتاج المخلِّص إلى وقت مناسب؟ بالتأكيد، هو لا يحتاج، لكن الذين أتى من أجلهم يحتاجون. فهم ليسوا مؤهلين ولا قادرين على رؤيته واقتباله في أيّ وقت، ودونما تحضير واستعداد.
مجيء المخلِّص يعني أنّ فعل الخلاص قد بدأ يتحقّق. والخلاص هو أن نصير أبناء الله "ننال التبنّي". وهل يتحقّق هذا التبنّي (الخلاص) لأناس يرفضونه أو لا يعرفونه، أو في نفوس لا تنتظره، أو لا تريده، أو في نفوس مشغولة بأمور أخرى إلى حدّ نسيانها خلاصها؟ ملء الزمان هو الوقت الذي تجسّد فيه المسيح، وهو الوقت الذي يولد فيه المسيح حقّاً، في قلب إنسان ما. إنّه الوقت الذي يعي فيه الإنسان حضور الله فيه، وفعل نعمته في حياته، فيولد من جديد، ولادة روحية حقّة.
 تعني هذه العبارة تاريخيّاً، الوقت الذي صار بمقدور الله أن يتجسّد فيه، بين الناس، ويعيش معهم. وهذا ما عمله الله بطول أناة إلهيّة مذهلة. يخبرنا الكتاب المقدّس بأنّ الله بدأ فعليّاً بتقديم ذاته، أوّلاً، إلى إبراهيم، فاسحق ابنه، فيعقوب ابن اسحق. هذا كان بدء الكشف الإلهي، الذي استمر ثمانية عشر قرناً ونيّفاً، حتّى اكتمل في تجسّد الأقنوم الثاني، المسيح. آنذاك "صار الكلمة بشراً وعاش بيننا"(يو1/14). 
 كان الكشف الإلهي تدريجيّاً، لأنّ البشر كانوا، وما يزالون، بحاجة إلى ترقٍّ روحيّ، حتى يصيروا قادرين على فهم الله على حقيقته، والتجاوب مع متطلّبات حضوره فيهم، وفي ما بينهم. القسوة الداخلية تمنع الإنسان من معرفة الله. الاكتفاء بالأرضيّات والجسدانيّات يعمي البصيرة الداخلية عن نور الله. تحتاج معرفة الله إلى إنسان راقٍ روحيّاً، يدرك أهميّة الحبّ والمغفرة، إنسان متحرّر من الأرضيّات، ويتوق إلى الروحيّات. الشهوانيّ يموت في شهوته ما لم يحوّلها إلى اشتهاء إلى الحياة الأبديّة. الترابي يبقى في التراب ولا يرى جمال السماء. 
 لابدّ للمخلَّصين من الشعور بالحاجة إلى الخلاص. وإلا فمماذا يخلصون؟ هكذا درّج الله البشر، وتدرّج معهم بكشفه عن ذاته خطوة خطوة. وبمقدار ما كانوا يَسمُون روحيّاً، يُظهر لهم ذاته بحقيقة أكبر. فكثرة الآلهة الوثنيّة، التي ابتدعها البشر، توقاً إلى مصدر حياتهم الذي يجهلونه، كانت تعيق فهمهم للإله الحقيقي. قد يبدو هذا الكلام لبعضهم غير مفهوم، لأنّنا نعيش في ثقافة التوحيد منذ قرون، لكن إدراكه كان صعباً جدّاً على أناس ما قبل المسيح.

لقد صارع الأنبياء قروناً مع شعب العهد القديم، لكي يجعلوه يعي وحدانيّة الله وحضوره في كلّ مكان وزمان. وعلى الرغم ممّا فعله الله معه، وتخليصه إياه من عبودية مصر، التي كانت رمزاً وصورةً مسبقة للعبودية الروحيّة، فإنّه ما إن استقر في أرض كنعان، حتّى سارع إلى الانخراط في عبادة البعل. فهم، كما هي عقلية ذلك الزمان، أنّ إلهه الذي رافقه في الصحراء وخلّصه، هو إله صحراء وحروب وضيقات، وأن الزراعة ليست من اختصاصه. فاكتشف الشعب، بعد دخوله في عالم الاستقرار، حاجته إلى الزراعة، فتعلمها على أيدي الكنعانيين، المتفوقين عليه حضاريّاً بما لا يقارَن. فاتخذ من بعل، إلهاً إلى جانب إلهه (يهوه= الرب)، وما شعر بالازدواجية بين الاثنين، فلكل منهما "اختصاصه"!!
 عمل الله بصبر وتمهّل حتّى غيّر عقول الناس وقلوبهم وأخلاقهم، ليكون باستطاعتهم معرفته كما هو، لا كما يتخيّلونه أو يشتهونه. وهذا ما يفعله مع كلّ منّا أيضاً، إذ يسمح بعبورنا في خبرات متنوعة، حتّى نتنقّى، فنكتشفه حاضراً بقربنا، ونطلب خلاصنا. 
 هل يعني هذا أنّ الله لم يعمل إلا في وسط شعب العهد القديم؟ يعلّمنا آباء الكنيسة الأقدمون أنّه استخدم هذا الشعب لكي يكون خميرة إيمانيّة خلاصيّة لباقي الشعوب، أيّ أنّه، له المجد، يكشف ذاته للبشرية عن طريق هذا الشعب الذي حمّله مسؤولية، لا امتيازاً. لكنّه كان يرعى باقي الشعوب بطرق مختلفة تتناسب وثقافتهم وحضارتهم. 
 فالفلسفة اليونانيّة الوثنية، وكذلك الديانة الفرعونيّة (ديانة أخناتون)، على سبيل المثال، كانتا من ساحات عمل الله الخفيّ، الذي عرفناه بسبب وفرة آثاره التي وصلتنا. فقد توصلت الفلسفة اليونانية إلى الاعتقاد بالإله الواحد. وليس ما ذكره سفر أعمال الرسل عن المذبح المكرَّس للإله المجهول (أع 17)، ذاك الذي رآه بولس الرسول في طرقات أثينا، وانطلق منه ليبشّر شعب المدينة، إلا مثالاً واضحاً على درجة تقدّم تلك الفلسفة، في طريق البحث عن الحقيقة. لذلك تضع بعض الكنائس، في الغرب، صور الفلاسفة اليونان الكبار على جدران مداخلها الخارجيّة، باعتبارهم، بفلسفتهم، لعبوا دور الممهّد إلى المسيح.
 أمّا تشابه ولادة المسيح من عذراء مع ولادة أشخاص، مهمّين في بعض الديانات القديمة، كالسورية والفرعونية والبوذية ، وإن كانت أساطير لحقت ببعض هذه الديانات، ولم تعترف بها رسميّاً، فإنّما تؤكّد الحلم البشري الدائم بمخلّص يأتي لا كما يأتي البشر؛ بمخلّص يأتي لا من شهوة اقتران جسدين، بل من العلى. إنّ توق البشر إلى مخلّص يأتيهم من لا شهوة أرضيّة، كان، وما يزال، حلماً بشريّاً. والله يكلّمنا من واقعنا؛ يأتينا من تطلّعاتنا السامية؛ يخاطبنا بلغتنا البشريّة، وبأصدق أمانينا وأشواقنا. فهو ليس إلهاً متكبّراً علينا، بل على العكس، هو إله مُحبٌ ومتواضع . إنّه، كما عرفناه في المسيح، إله متنازل دوماً، من أجل أن يرفعنا إليه. أليست سيرة المسيح كلّها تنازلاً؟! هو تنازل إلى جسديتنا، إلى مذود، إلى حياة بسيطة وفقيرة....وما ارتفع إلا مرّة واحدة في حياته، وكان ارتفاعه هذا على خشبة الصليب ذروة تنازله، أو ما نسميه في اللاهوت، إخلاء الذات أو إفراغها، والكلمة مأخوذة من بولس الرسول "أخلى ذاته واتّخذ صورة العبد، صار شبيهاً بالبشر، وظهر في صورة الإنسان. تواضع، أطاع حتّى الموت، الموت على الصليب. فرفعه الله"(في2/7 ). وفي قعر قاع تنازله هذا وصل إلى القيامة التي خلّص البشر جميعاً بطاقتها.
 يقودنا هذا التأمّل، في ميلاده، إلى التأمّل بأنفسنا. كيف نستقبله اليوم؟ كيف نهيء نفوسنا وقلوبنا ودواخلنا لنستطيع رؤية نوره الخلاصيّ؟ كيف نحضّر ذواتنا ونفتحها له، كيما تفعل نعمته فينا. فنستبدل القسوة بالحبّ، والأنانية بالبذل، والحقد بالغفران، والبخل بالسخاء، والانغلاق بالمشاركة...إلخ. لقد أعطانا كلّ ما نحتاجه من سبل لاستقباله الحقيقي الفعّال، فهل نهمله، ونكتفي "بالميلاديّات" التي اخترعها البشر، وصارت عند الكثيرين كلّ الميلاد؟!