أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

تعتبر ترنيمة الملائكة، في ميلاد المسيح، الآية المفتاح لمعنى هذا العيد، عمليّاً. صدحت ملائكة السماء مرنّمة: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة" (لو2/14).

الله ممجّد دوماً في العلى، وبحضوره يتحقّق السلام على الأرض، وتدخل المسرّة إلى قلوب البشر وإلىنفوسهم.
فإذا كان مجد الله في العلى والسلام على الأرض ومسرّة الناس مترابطة، فإنّ مسؤولية تحقيقها تقع على المؤمنين أوّلاً. يعلّمنا تجسّد الربّ يسوع أن نكون سعاة السلام ورسل المسرّة. وهذه المسؤولية الكبرى لا تتم بالاهتمام المفرط بمظاهر العيد، بل بالعمل، جدّياً، على أن يكون الربّ حاضراً في حياتنا، وموجِّهاً لها على الدوام.
من هنا يكتسب هذا العيد أولويّة، في اهتمام المؤمنين بمعرفة كيفيّة ولادة يسوع المسيح في نفوسهم. فإنّ بقاءهم، في العيد وما بعده، على ما كانوا عليه قبله، يعني أنّ العيد لم يحقّق هدفه فيهم. الأعياد الكنسية محطات لمراجعة الذات، وانطلاقات جديدة، إلى مدى أكثر تقدّماً، في حياة الفضيلة وإثمار الروح القدس.
عيد الميلاد اليوم، محطة أساسية للتفكير بإدخال المسرّة إلى قلوب البشر المُحبَطين والمحزونين والمهجّرين والمتألمين، وهم حولنا في كلّ مكان. للأسف، هم في ازدياد منذ ست سنوات إلى الآن. السؤال الأهم: كيف نحمل لهم المسرّة؟ والجواب واحد: بالعطاء. بالعطاء معنوياً وروحيّاً وعاطفيّاً وماديّاً. مراجعة العادات المرتبطة بهذا العيد أمر لازم وضروري لمؤمني بلادي، بالذات في هذه الأيام. ولا أستثني المغتربين منهم، لا بل أدعوهم إلى تفعيل مشاركتهم في جلب المسرّة إلى أبناء بلدهم، بقوّة أكثر بكثير ممّا فعلوا ويفعلون.
كيف نعود بعادات العيد إلى أصلها؟ لنأخذ مثالاً يتعلّق بالتقليد الدارج، بخصوص تبادل الهدايا وتوزيع الصدقات، على المعوزين، في العيد المبارك. يعود أصل هذا التقليد، إلى الإيمان المسيحي القائل بأنّ الله قد أهدى البشريّة الهديّة العظمى في الميلاد، حيث أنّه قدّم للبشر الأقنوم الثاني من الثالوث القدّوس، كلمته، ابنه، لكي يخلّصهم. لذلك يقدّم المؤمنون الهدايا لبعضهم البعض، عربون شكر لله، على عطيّته العظمى (المسيح).
ومثل كلّ شيء سامٍ، يشوّهه البشر الخاطئون، ويحرفونه عن معناه الأساسي، فإنّ هذا التقليد تشوّه بالاستهلاكيّة المفرطة، وتبادل الهدايا كمجرّد تقليد موسمي، تفرضه هذه العادة. يمكن للمرء أن يرى الإفراط في هذا المجال في المجتمعات الغربية، ومنها الأمريكي بخاصّة، حيث يتمّ تبادل الهدايا بين الناس، لمجرّد "إنّه الميلاد It is Christmas"، بغضّ النظر عن الشخص، الذي تُقَدَّم له، وعن حاجته لها. لكنّها تبقى عادة جميلة، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من الروحنة والشخصنة.
المؤمن يقدّم ذاته أوّلاً تقدمة صافية للربّ. أتى الربّ إلينا ليخلّصنا، لذا، فنحن بدورنا، نقدّم له ذواتنا نقيّة طاهرة بتوبة صادقة وتغيير ملموس نحو الأفضل.
ثمّ يقدّم، لإخوته وأصدقائه والمقرَّبين منه، تقدمةً فرحة بسيطة ومعبِّرة. من هنا درجت العادة، في هذا العيد، على أن يجتمع جميع أفراد العائلة ليلة العيد، حول عشاء الميلاد سويّاً.
أمّا الأهمّ فهو، افتقاد المحزونين والمعوزين والمهمَلين، بما يستطيع المؤمن توفيره خلال فترة صوم الميلاد، وتقديمه لمن هو بحاجة إليه منهم.
هذا العيد مناسبةً لممارسة العطاء. أعطانا الله ذاته، فنعطيه ذاتنا. افتقدنا الله برحمته الواسعة، فنفتقد الآخرين بمحبّتنا المستقاة من محبّته.
يقودنا هذا التأمّل البسيط في الميلاد إلى المفهوم المسيحي للعطاء. فالموقف الأوّل، المطلوب من المسيحي، هو أن ينفتح على عطيّة الله، لأنّه عندما يقبل العطيّة الإلهيّة، ويقدّر أهميّتها ودورها في حياته، يصبح أهلاً لممارسة العطاء بدوره. "ونحن عرفنا المحبّة حين ضحّى المسيح بنفسه لأجلنا، فعلينا نحن أن نضحّي بنفوسنا لأجل إخوتنا" (1يو 3/16).
يحثّنا الكتاب المقدّس على العطاء، ويوليه أهميّة كبرى. فتقديم العشور في العهد القديم (تث26)، إنّما كان تعبيراً عن امتنان الإنسان لله على ما منحه من عطايا، ويستمر هذا المفهوم في العهد الجديد، ليتجاوز العشور إلى كلّ شيء. يقول الربّ: "من سألك فأعطه"(مت5/42)، أي يطلب المسيح من تلاميذه أن يبقوا فاتحين قلوبهم وأيديهم. صَمُّ الآذان علامة على قساوة القلب، وهذه لا تليق بتلميذ المسيح.
لا يقف العطاء المسيحي عند حدّ معين، فهو مفتوح على الكمال. يعطي الإنسان بقدر استطاعته. لكن هذه الاستطاعة تحدّدها محبّة الإنسان للربّ، وتقديره لما فعله ويفعله من أجله؛ كذلك تحدّدها درجة تحرّره من حبّ التملّك، وصحوه لأهميّة العطاء، إلى درجة فرحه به.
يعطي الكثيرون ابتغاء تنفيذ الوصية الإلهيّة، بينما يعطي آخرون بدافع استدرار بركات الله ورضاه عليهم. في هذين النوعين من العطاء تكون العطيّة مقبولة، إنّما غير مكتملة. فالعطاء مرتبط بدرجة المستوى الروحي، الذي وصله المعطي. هناك من وصل إلى حدّ الاقتداء بالمسيح حرفيّاً وأعطى كلّ شيء، وصولاً إلى تقديم حياته بكلّيتها. فحبّ العطاء ينمو في الإنسان طرداً مع نموه في محبّة الله.
ثمّة من يُمسكون عن العطاء، لأسباب وأسباب. هؤلاء لم يختبروا فرح العطاء وفعله فيهم. كثيراً ما يعتقد الناس أنّ العطاء يُفرِح قلوب الذين يحصلون عليه. هذا صحيح ولا شك، لكنّه، بالأكثر، يُفرِح قلب المُعطي؟ قال الكتاب المقدّس: "من أعطى بسخاء يُعطى، والذي يروي الآخرين يُروى"(أم25/11). وقد قيل: المُعطي المتهلّل يحبّه الربّ. ففرح المتلّقي بالعطيّة ينتقل إلى المُعطي فرحاُ مضاعفاً، لأنّ الله يباركه.
لا يقف العطاء عند المادّة. إنّه حالة يختبرها المؤمن باستمرار، إلى أن تصير حالة دائمة عنده. لا تحرم نفسك من العطاء، ولا تتذرع بأيّ حجّة، لئلا تبقى مغلِقاً على ذاتك. ابتسامة صادقة منك قد تلقى فعلاً منعشاً في نفس محزون. نظرة حنان ومشاركة قد تنعش متألماً مفتقداً للحبّ والرعاية. لمسة يد دافئة قد تعيد الروح لمن شعر بالإهمال والوحدة.
ما من أحد معفى من فضيلة العطاء. لنتذكّر فلس الأرملة. العبرة في توفّر روح العطاء قبل نوعيّته وكميّته. تمثّل بربّك المتجسّد من أجلك أنت، ومن أجل خلاصك. بادله عطاءه المذهل بما تقدر عليه، ترى كمَّ البركات التي تجنيها لنفسك. يحرّرك العطاء من الأنانيّة والانغلاق وحبّ الذات والخوف، وهذه تقتلك وأنت في الحياة. ما أتى المسيح من أجل أن تبقى أسيراً، أتى لكي يحرّرك ويهبك الحياة بملئها. ارمِ بنفسك أمامه، وكوَّم غبار أنانيتك عند قدَمَي الطفل الإلهي، وافتح يديك لتمتلئا بعطاياه، فتنقلها مسرّةً لإخوتك، ويصير العيد.