كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

الكنيسة، بوجهها المنظور، البشريّ، مكسورةٌ أبداً على خطايا أبنائها. إنّها معلَّقة على صليب التوتر، بين انشدادها إلى السموات، عروساً بهيّةً لا شائبة فيها ولا عيب، وبين أهواء أعضائها الأرضيّين وطبائعهم وسقطاتهم ، الذين لا ينفكّون، بمعرفة وبغير معرفة، يشوّهون ثوبها ويعطّلون رسالتها، ويشدّونها إلى السفليات. هذه صورة المسيحي أيضاً. فهو إنسان مدرك، تماماً، ضعفه واستعباده للخطيئة، لكنّه ساعٍ، دوماً، إلى العلى. هذا جهاد عمره. يتّخذ من نعمة الله، ومن توبته المستمرة، رجاءً وسبيلاً إلى الخلاص. لذا نجد في سِيَر القدّيسين من بلغ شأواً عظيماً في الطهارة والقداسة، وظلّ، وهو على فراش الموت، يطلب تأجيل انتقاله لبضعة أيام، كيما يبدأ التوبة!! 
 يبدو وجه الكنيسة المنظور في أعضائها. هؤلاء بشر يستمدّون من اتحادهم بالمسيح، رأس الكنيسة، اتحاداً في ما بينهم، يجعلهم جسداً واحداً. أو قل هكذا يجب أن يكونوا. لكنّهم، في الواقع، ليسوا على هذه الصورة المشرقة، دوماً. توبتهم المستمرة، المفروض أن يكونوا عليها، تساعدهم على أن يصيروا أقرب ما يكون إلى المثال. لكن الواقع يُظهر كثرة من أعضاء الكنيسة، بكلّ تنوع فئاتهم، مأخوذين بأمور كثيرة أكثر ممّا بربّ الكنيسة، الذي هو علّة وجود كلّ منهم فيها، أساساً. 
 يُدعى المؤمنون الأحياء، الذين لم ينتقلوا إلى الحياة الأبدية بعد، "كنيسةً مجاهدةً". أمّا الذين انتقلوا إلى الحياة الأبدية فيُدعَون "كنيسًة ظافرةً". الكنيسة واحدة، وما هذه سوى تسميات تعليميّة. "الكنيسة المجاهدة"، ككلّ تراكم مجتمعي، عرضة للفساد والسقوط، في كلّ حين. لذا تراها بحاجة إلى جهاد روحي دائم، بغية التقويم والتصحيح. كلّ جماعة بشريّة قابلة للمعطوبية، ولا تشذّ الكنيسة الأرضيّة عن هذه القاعدة، ولو أنّها مزّودة بطاقة التوبة، القادرة على مسح سخام أبنائها عن وجهها. وقد قال بولس الرسول: "لنا هذا الكنز [الإيمان] في أوانٍ خزفيّة [بشر خطّائين]"، ولم يقل في أوانٍ حديديّة.
 بقدر ما يكثر فيها التائقون إلى الحياة الأبديّة، والساعون إلى عيشها منذ الآن، تعكس الكنيسة صورة الملكوت، في هذه الدنيا. عدا ذلك، كلّ شيء فيها من هذا الدهر، ولو اتّخذ مسحة إنجيليّة، سُمّيتْ بالمسيح. الزهد بالدنيويات، والتحرّر من إغراءاتها، شرطان أساسيّان لبقاء الكنيسة على الأمانة المطلوبة. من لا يؤمن، يقيناً، بأنّنا، في الكنيسة، "فقراء ونغني كثيرين، ولا شيء عندنا ونحن نملك كلّ شيء" (2كو6/10)، فهو لا يزال بعيداً عن فكر المسيح، الذي طالبنا الكتاب المقدّس بأن نملكه ويكون فينا.
 الكنيسة، عند كثيرين، هيئة يجب أن تدار بروح هذا العالم، ما دام فيها الكثير من المنافع والمصالح. وبما أنّها، كجماعة منظمة تملك مالاً وعقارات واستثمارات ومؤسسات وجمعيات وإلى ما هنالك من أمثالها، فإنّهم يعتقدون بأنّ مجرّد وجود الهيكلية الإدارية وتوفر الأمور المادّية، يجعل الشهادة المسيحية مؤمَّنة. يتوهمون بأنّ مجرّد توفّر المال يمكّنهم من تأمين احتياجات الكنيسة، وتفعيل شهادتها. فيتساهلون في كيفية الحصول عليه، ويبرّرون لأنفسهم طرق استجلابه. يغيب عن ذهنهم أنّ سيّد الكنيسة يؤمّن اللوازم عندما تتوفّر النفوس النقيّة والأمينة له. من المؤكَّد أن توفّر الخيرات الأرضيّة، إذا وضعت في خدمة الإنجيل، يساهم في تفعيل الخدمة، وفي الشهادة لمحبّة المسيح وخلاصه، لكنه لا يخلقها ولا يستطيع أن يوجدها. هذه تأتي من نفوس عشقت الرب وجعلت الحياة الأبدية هدفها. 
 عندما يكون همّ شعب الله محصوراً في تأمين الخيرات الأرضية، يقع في فخاخ نسيان معطيها وتضييع هدفها. عندما يسلك المؤمنون بالاعتماد على ذكائهم وحنكتهم وحكمة هذا العالم، كما لو أن رأس الكنيسة (المسيح) غير حاضر فيها، يغرّبون الكنيسة عن سيّدها، بدلاً من أن يتغرّبوا هم عن العالم (2كو5/8). آنذاك قد يحلّلون ما يرونه مناسباً [ربّيحاً]، ويتجاوزون ما حرّمته القوانين أو منعته، بألف حجّة وحجّة. تحتاج الكنيسة إلى قدّيسين حتّى لا تخرج عن استقامتها. يمتلك القدّيسون حسّ التمييز بين ما هو لله وما هو للعالم. وحدهم المتواضعون يُبقون صوت السيّد مسموعاً ومُطاعاً في الكنيسة.
إن أردت أن تكون الكنيسة مجاهدة أمينة ابدأ بنفسك. غيّر ذاتك، طهّرها، نقّها، اسمع الكلمة الإلهية بورع، قيّم سلوكك وفكرك يوميّاً، وانفض غبار الخطيئة، والبس رداء التوبة دونما انقطاع، فتصِر إنساناً جديداً قادراً على أن تميّز صوت ربّك ومشيئته، فتعمل بحسب رضاه، وتنقل هذا النَفَس إلى إخوتك.
حاول أحد الصحافيين أن يوقع الأم تيريزا (كلكتا)، فسألها: ما الذي يجب أن يتغيّر في الكنيسة؟ فكان جوابها في غاية العمق والصواب، وأجابته: أنا وأنت. في الحقيقة، ما دام المؤمنون مبتلين بالانتقاد السهل، ورامين بالتهم على هذا وذاك، مبرّرين أنفسهم، سيبقى وجه المسيح، في كنيسته، مدمّىً، ولن يتغيّر شيءٌ فيها. بالانتقاد المستمر يشوّهون وجهه بأنفسهم. قد يفعلون هذا الشرّ وهم لا يدرون. لكن نتيجة جهلهم لا تعفيهم من المسؤولية. 
 المسيح حاضر في الكنيسة، في الليتورجيا، في الأسرار الإلهية، في حياة الفضيلة، في صبر المتألمين، في فرح الأنقياء، في وجوه المحبّين، في جهاد التائبين، في براءة الأطهار، في بسمة الودعاء، في بهجة المعطين، في بساطة المتواضعين، في زهد الأغنياء، في رضى الفقراء، في موضوعيّة المؤمنين، في خدمة المحتاجين، في صمت الممتلئين، في قلوب الإيجابيين. المسيح حاضر في ما بيننا، فلنعِ حضوره، حيث يوجد، ولنشهد له، ولنعمل على ألا يغيب. ولنكن من الذين يضيؤون الشموع بدلاً من الاكتفاء بلعن العتمة. 
 علّه آنذاك يغفر لنا قصورنا، ويجعلنا من قطيعه الصغير.