كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

(1880- 1956)
 صربيّ المولد والنشأة. فائق الذكاء وشديد التقوى. درس الثقافة الأوروبيّة الغربيّة، وقرأ أعمال كبار مفكّريها. ثم التحق بالكليّة اللاهوتيّة في بيرن (سويسرا)، حيث درس أفضل العلوم الموجودة في أوروبا الغربيّة،واطّلع عليها، حتّى إنّه أصبح فقيهاً في العلوم الفلسفيّة والروحيّة الهنديّة.متمكّن من القراءة والتكلّم والكتابة بسبع لغات مختلفة.

دعاه الله عبر مرض خطير، فقرر، إثر شفائه، تكريس نفسه للكنيسة الأرثوذكسيّة. فالتحق، الدكتور في اللاهوت والفلسفة، بالدير (راكوفيكا)، وأصبح راهباً بسيطاً. ثم انتُدب ليعلّم في بلغراد. فقرّرت اللجنة، بسبب مواهبه، أن تبعث به إلى روسيا، ليتعرّف على ثقافتها الغنيّة.
 خلال الحرب العالميّة الأولى،أرسلته الدولة الصربيّة، ضمن بعثة دبلوماسيّة رسميّة، إلى إنكلترا، للحصول على دعم الدولة البريطانيّة للشعب الصربيّ، فنجح. وسافر من هناك، عبر المحيط الأطلسي، ليكمل مهمّته الدبلوماسيّة في نيويورك. هناك ألقى أكثر من مئة وخمسين محاضرة وموعظة، خلال ثلاثة أشهر.
 لامَ الطبقة المثقّفة، التي خلقتها الجامعات في أوروبا الغربيّة، لأنّ هؤلاء المثقفين، برأي نيقولاي، هم الذين يُضلّون. وتنبّأ بنشوب حرب عالميّة ثانية، إذا ما استمرّ الوضع على ماهو عليه، في أوروبا الغربيّة. كذلك دعا أوروبا إلى العودة جذورها، أي إلى المسيح المخلّص، الذي هو الطريق والحقّ والحياة. وقد استطاع أن يقدّم، للغرب المسيحيّ، صورةً دقيقةً وشاملةً للإيمان القويم، لكنيسةٍ جامعة، مقدّسة، رسوليّة، واحدة. 
 قال القدّيس يوستينوسبوبوفيتش، ابنه الروحيّ، في رقاده: "شكراً، يا ربّ، لأن عندنا رسولاً جديداً! شكراً، يا ربّ، لأن عندنا إنجيليّاً جديداً! شكراً، يا ربّ، لأن عندنا معترفاً جديداً! شكراً، يا ربّ، لأن عندنا شهيداً جديداً! شكراً، يا ربّ، لأن عندنا قدّيساً جديداً!
****
مسيرته المسكونيّة
 لعب الحقد المتفشّي في أوروبا، جرّاء ويلات الحرب العالميّة الأولى، والآلام التي رافقتها، دوراً في بحث القدّيس نيقولاي عن مخرجٍ، فكان اهتمامه، في شبابه، بالمسكونيّة. وقد بنى نظرته، بخصوصها، على مبدأ "المحبّة أولاً". ووجد طريق الخلاص في العودة إلى منبع القوّة والقدرة المسيحيتين الوحيد: الربّ يسوع المسيح. ورأى أن إعادة إحياء المسيحيّة ممكن، فقط، في كنيسة المسيح الموحّدة؛ وأنّ هذه الوحدة ممكنة، فقط، إذا بُنيت على أساسات الكنيسة الأصليّة، التي آمن بأنّها الكنيسة الأرثوذكسيّة."في الكنيسة الأرثوذكسيّة" ملء المسيح، و"هذا الكنز يجب ألّا يبقى مخبوءاً، بل يجب أن يعرفه الجميع". وإعلانه للجميع "ممكن بالمحبّة"، من خلال الحوار المسكوني. كما رأى في الكنيسة الأرثوذكسيّة الكنيسة السليمة، التي تُشفى بها الأعضاء الأخرى.
 تكمن الإشكاليّة، التي لحقت بالقدّيس نيقولاي، في أنّ دعوته لم تكن مقبولة في الأوساط الأرثوذكسيّة، ولم تزل كذلك.
****
 مع الوقت وخبرات الحرب العالميّة الثانية، وقضائه سنتين، في معتقل داشو النازي، واغتنائه بالعلوم الأوروبيّة واللاهوتيّة، وانخراطه في الحوار المسكوني، وتعمّق معرفته بالكنائس المسيحيّة، بدأ يرى الأمور بمنظار مختلف وأكثر عمقاً ونضجاً ورصانة.
 اعتبر حضارة أوروبا فقيرة بالمعنى الروحيّ، لأنه رآها تنقسم أكثر فأكثر. فحضارة أوروبا الصحيّة السليمة، في نظره هي دينها. وانفصال الحضارة عن دينها يعني الموت. بحسب القدّيس، هجرت أوروبا المسيح، ممّا قادها إلى هجران الأمور العظيمة التي لها، واستبدالها بأمور دنيويّة، أقلّ قيمة منها بكثير. يقول:
 "إنّ التحلّل من الدين المسيحي، الذي ألهم أشياء عظيمة امتلكتها أوروبا، في كلّ خطوة من خطوات النشاط الإنساني، يتمّ بمفردات جديدة شائعة،كالفردانيّة، والتحرريّة، والتقليديّة، والعالميّة، والإمبرياليّة، والدهريّة، التي لا تعني في الجوهر، سوى تحلّل المجتمع الأوروبي من المسيحيّة. أو بكلام آخر، فراغ الحضارة الأوروبيّة".
 نقد القدّيس دهرنة الكنائس الغربيّة، التي هجر الكثير منها الإنجيل لصالح أفكار عالميّة. لكن الملفت للنظر عنده أنّه اعتبر التقليديّة، لا الليبراليّة، أو الاشتراكيّة، أو العلوم الوضعيّة فقط، من ثمار الدهرنة أيضاً. يقول:
 "مفاهيم الليبراليّة، والتقليديّة، والطقسيّة، والحقّ، والعالميّة، والإمبرياليّة، والقانون، والديموقراطيّة، والجمهوريّة، والاشتراكيّة، والنقد العلميّ، وأخرى مشابهة لها، ملأت اللاهوت المسيحيّ، والخدمة المسيحيّة، والمنابر المسيحيّة، وكأنّها الإنجيل المسيحيّ. لكن الحقيقة، أنّ الإنجيل المسيحيّ مختلف عن هذه الأفكار العالميّة والنظم المؤقتة. فهذه أرضيّة - جسدانيّة، ومحاولة جادّة لتحويل الشقاء إلى سعادة، بواسطة استبدال المؤسّسات. على الكنيسة أن تكون لا مباليّة تجاه هذه، وأن تشير دوماً إلى نظريّتها الرئيسة المبدأية:التعضّي في المسيح (الكنيسة جسد المسيح). ولا تعني هذه النظرية، إطلاقاً، استبدال الأشياء الخارجيّة للمؤسّسات، بل بالأحرى، استبدال الروح. كلّ الأفكار أعلاه وصفات دهريّة، للشفاء من شرّ العالم؛ إنّها الأدوية الفقيرة المستخدمة من أجل شفاء أوروبا المريضة، خارجاً عن الكنيسة، ومن دونها".
 ما لمسه القدّيس من دهرنة في الكنائس الغربيّة، جعله يشدّد على أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة، "كنيسة المسيح والحقّ. إنّها الكنيسة التي لا تعدّل في تعاليمها، لتتناسب مع العالم، بل التي يمكنها، وعليها أن تقود المسيرة؛ مسيرة المجتمع الدهري والكنائس الأخرى، التي سقطت من أحكام الله وملكوته".
 يوجز المطران أمفيلوخيوس (رادوفيتش)، الابن الروحي للقدّيس يوستينوس، أفكار القدّيس نيقولاي: " يمكننا القول إنّه، في فترة حياته الأولى،عندما كان في حوار مستمرّ مع أوروبا وأميركا، وتجاه أوروبا بخاصّة، اعتبر نفسه بمثابة طالب. لكنّه، وفي فترة نضجه، في زمن الحرب وبعدها، صار أكثر رصانة، بسبب النازيّة والبلشفيّة، وخبرة معتقل داشو، بخاصّة، فما عاد يسلك سلوك الطالب تجاه أوروبا، بقدر سلوكه كنبيٍّ.فعلى خطى أنبياء العهد القديم وروحهم، شعر بالمسؤوليّة، لا على شعبه فقط، بل على شعب أوروبا والعالم، دونما استثناء".
****
 بدأ بالمسكونيّة بدافع إنساني، فيه شيء من الحلم، في بدء خدمته. لكن نموّه الروحي، ونضجه الثقافي، وسقوط الكثير من الكنائس في الدهرنة، قادته إلى التمييز بين الكنائس المهرطقة والكنيسة الأرثوذكسيّة؛ ما ينقض نظريّته الأولى حول الجسد الواحد والأعضاء المريضة.
 لقد بدأت رحلته بالمحبّة أساساً للحقّ، لكنّها انتهت على العكس، حيث الحقّ، فقط، هو الأساس الحقيقيّ للمحبّة، ولكلّ الأمور الأخرى في الحياة. لم تقده هذه القناعة إلى الانعزال عن الآخر ورفضه، بل جعلته منفتحاً على الحوار المسكوني، وفاعلاً فيه، حتى موته؛ لأنّه كان رجل الله الحقّ، المحبّ للجميع، بغضّ النظر عن الإيمان، والجنسيّة، والرؤى السياسيّة. لقد آمن القدّيس نيقولاي بدور الكنيسة الأرثوذكسيّة الفائق الأهميّة، ما جعله يدرك أهميّة الشهادة لهذا الإيمان المنقِذ، عبر الحوار مع المسيحيّين الآخرين. آمن بأن هذا الإيمان الكنز يجب ألّا يُحجب عن أعين الآخرين، بل، بالمحبّة، يجب أن يكون في متناول الجميع.
 بدأت مسكونيته إنسانويّة (مركزها الإنسان)، وانتهت مسكونيّةً مسيحانيّة ( مركزها المسيح).
كتب، قبل رقاده بسنتين، في العام 19544، بعد مؤتمر مجلس الكنائس العالمي في "إيفانستون": "في إيفانستون اسم واحد قرّب الجميع من بعضهم بعضاً: يسوع المسيح... الحقيقة أنّ كلّ مذهب يحوي جزءاً من الإيمان المسيحيّ، أمّا الكنيسة الأرثوذكسيّة، فوحدها تحوي إجماليّة الإيمان وملأه: الإيمان الحقّ "الذي سُلِّم مرّة للقدّيسين". الرجاء في المسيح مؤسَّس على الإيمان الحقّ والكامل، لأنّه كُتب: "الإيمان أوّلاً، ثمّ الرجاء، ثمّ المحبّة". عدا ذلك، البيت من دون أساسات. لا يمكن لاتّحاد الكنائس أن يتمّ باعترافات إيمان متبادَلة، بل، فقط، بالتحام الكلّ بالإيمان الحقّ الوحيد، بكليّته الكاملة، بميراث الرسل وطاعة المجامع المسكونية؛ بكلام آخر، بعودة جميع المسيحييّن إلى الكنيسة الواحدة غير المنظورة، التي إليها انتمى أجداد جميع المسيحييّن، في كلّ العالم، خلال القرون العشرة الأولى للمسيح. إنّها الكنيسة الأرثوذكسيّة المقدّسة".
يلخّص المقطع التالي نهجه الوحدوي:  "تتحقّق الوحدة عندما يصير المسيحُ، لا الإنسانُ، المركزَ، عندما نتوقّف عن التفكير بما نريده نحن، ونتطلّع، بعمق، إلى ما يريده المسيح".