أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

يدعو الرسول بولس المؤمنين إلى الافتخار بالشدائد، "لأنّ الشدّة تُنشئ صبراً، والصبرُ يُنشئ الامتحان، والامتحانُ الرجاءَ، والرجاءُ لا يُخزي"(روما 5/39).

يفتخر الإنسان ويُسَرُّ، عادةً، بالرخاء والمُبهجات والحياة السهلة، التي لا ضيق ولا عوائق فيها. أمّا أن يفتخر بالشدائد والضيق، فأمرٌ يجب التوقّف عنده. فلكي ترى فرحاً ورضىً ورجاءً، في ما لا يرى الآخرون فيه سوى الألم والبؤس واليأس، أنتَ تحتاج إلى عيون مختلفة عمّا اعتاده الأكثرون: إنّها عيون الروح القدس.
لنتوقّف، بدايةً، قليلاً عند معنى الرجاء. فالعهد الجديد، بخاصّة، يستخدم لفظة الرجاء، لا الأمل، كثيراً. لماذا؟ لأنّ الرجاء هو النظرة الإيجابيّة الواثقة في الحياة الأبديّة، وما يخصّها. بينما الأمل لفظة مقصورة على الحياة الدنيا، وما يخصّها. نقول في دستور الإيمان: "أؤمن بكذا وكذا...". وعندما يتعلّق الأمر الإيمانيّ بالحياة الثانية نقول: "وأترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي". أي أرجو، أتطلّع إلى، المشاركة في قيامة الموتى، والدخول في الحياة الأبديّة.
من المفيد أن نتذكّر أنّ المسيحيّة تطلب من أتباعها وضع الحياة الأبديّة هدفاً لحياتهم، واختبار عيشها، انطلاقاً من هذا الهدف، بدءاً من حياتهم على الأرض، "هنا والآن".
من هنا يبدأ الجواب على السؤال المطروح آنفاً. فإنّ الشدّة، لا الرخاء، ما يساعد الإنسان على اكتساب الفضائل الضروريّة، للدخول في الحياة الأبديّة. وعليه، فمطلوب من المسيحيّ أن يواجه الشدائد بالرضى، والقبول الفَرِح لا المقهور. فإنّه، برضاه، يكتسب الصبر، الذي يؤهّله لجني الثمار النابعة منه. وبدلاً من أن يستقبل شدّته مُجبَرَاً، بالتذمّر والرفض، اللذين يقودانه إلى اليأس والاكتئاب والاستسلام الكامل لوطأتها، عليه أن يتقبّلها بروح سمحة وادعة، على أنّها أمر، سمح الله به، بغية خير أعظم.
يختلف مفهوم الخير بين الذين يؤمنون، فعلاً، بالحياة الأبديّة، والذين يقصرون حياتهم على تلك الدنيا. كذلك بين من يَرَون ذواتهم محور هذه الدنيا، والذين يَرَون ذواتهم رسالةً فيها. وتكتسي "نظّارات الروح القدس" ضرورة قصوى، هنا بخاصّة. أنت لا ترى قصد الله، ما لم تتخلّق بخلقه، له المجد. فإنْ أردتَ أن تكون تلميذاً للمسيح، حقّاً، عليك أن ترتضي بالصليب الذي يقتحمك، وتؤمن إيماناً راسخاً بأنّه "بالصليب أتى الفرح لكلّ العالم"، كما تصلّي صباح كلّ أحد.
المسيحيّ لا يستجلب الضيق والشدّة لنفسه، بل على العكس، يكافح ضد كلّ مظاهر السقوط الروحي من فقر ومرض وجهل وإلى ما هنالك من كوارث أخرى. والمسيحيّة تدعوه إلى الحياة الفضلى، وإلى ملئها(يو10/10). لكنّه، وهو في هذه الدنيا المليئة بالشدائد، يتعرّض، كغيره، إلى أصناف متعدّدة منها. هذه يواجهها برضى وإيمان بأنّ لله فيها قصداً يخصّه شخصيّاً. هكذا يرى فيها سبيلاً إلى حياة أفضل.
خلال الحرب العالميّة الثانية، اعتقل النازيّون القدّيس نيقولاي فيليميروفيتش، وكان مطراناً بلغ الستينيّات من عمره. وضعوه في أكثر معتقلاتهم النازيّة فظاعة، معتقل "داشو"، حيث قضى سنتين. ولك أن تتخيّل هول آلامه. لكن انظر ما كتبه في مؤلّف له عن يوميّاته في المعتقل: "أنتَ جالسٌ في الزاوية، وتقول لنفسك: "أنا تراب، أنا رماد، يا ربَ خذْ روحي". وفجأة، ترتفع روحك وترى الله وجهاً لوجه، ولكنّك لا تتحمّل هذه الرؤية، فتقول له: "يا ربّ لا أستطيع، أعدني مجدّداً إلى حيث كنت". وهكذا من جديد تقبع في الزاوية ساعات متتالية وطويلة وتقول لنفسك: "أنا تراب، أنا رماد، يا ربّ خذ نفسي". ومن جديد يرفعك الربّ الإله لتعاينه... لو كنت أستطيع لكنت أستبدل كلّ سني حياتي بساعة واحدة في معتقل داشو!".
إذا كنتَ لا تتألم إلى هذا الحدّ، فلا يعني أنّك لا تعاني من أمور كثيرة مؤلمة. تعلّمْ كيف تواجهها متسلّحاً بهذا الإيمان. ولا بدّ من أن تكتشف، في الوقت المناسب، جمّاً من النِعَم، بسبب تعاطيك هذا مع معاناتك.
ثمّة سائلٌ: "ولماذا لا أختبر، على الرغم من شدائدي وضيقي، شيئاً ممّا اختبره هذا المطران؟ لأنّك، يا صاحبي، تقصر همّك وتفكيرك على التمتّع بمبهجات الحياة الدنيا فقط، أو تتعاطى مع الله تعاطيك مع بوليصة تأمين لحياة مريحة وآمنة، أو تدور حول نفسك فقط، وأنانيّتك القاتلة، وكبرياؤك الجريحة تنهشك نهشاً. عشْ للحياة الأبديّة، تجدها في ما أنت فيه. فكّرْ بالروحيّات لتفرح بالأرضيّات. ضعْ حضور الربّ هدفاً أوّلاً لحياتك. افرحْ بالفضائل لأنّها تقرّبك منه. وارتضِ بالشدائد لأنّها تهذبّك وتشذبّك لتصير إناء للبهجة والسرور.
كم عانى أيوب الصدّيق وتحمّل! ومع ذلك لم يخطئ أمام الله. وحتّى، عندما جاءه خبر موت أولاده، وهي الضربة الأقسى عليه، ما خطئ بل شقّ ثيابه، وقال: "الربّ أعطى، والربّ أخذ، فليكن اسم الربّ مبارَكاً". تُرى، ألم يختبر أيوب شيئاً إيجابيّاً ونافعاً ممّا عاناه؟ بلى جنى الكثير، وعرف أنّه إنسان محدود كغيره، لا فوق غيره، كما كان يظنّ ويعتقد. دونك ما قاله عن نفسه، لتعرف كمّ الغرور والتعالي اللذين كان عليهما، ذلك البارّ الأمين في إيمانه!! والوافر في إحساناته!!. "أمّا الآن فقد ضحك منّي من يصغرني في الأيام، من كنتُ آنف أن أجعل آباءهم مع كلاب غنمي"(أيوب30/1).
لكنّه في النهاية، بعد ما انكسرت كبرياؤه، وعرف التواضع أمام الله، فهم بالخبرة، لا بالمنطق والعقل، أنّ الله أكبر من أن يُحاسَب، وأنّ حكمة الله تعطي معنىً غير متوَقَّع لبعض الحقائق، كالألم والموت. فهو وإن بقيت أسئلته حول عدل الله بلا جواب، إلا أنّه حصل على ما هو أهمّ بكثير. لقد قاده الانكسار، الناجم عن شدائده، إلى رؤية الأمور بعين الإيمان. وما كان له أن يستوعب، بهذا الشكل، عظمة الله وجلاله وسلطانه، من جهة، ومقدار كبريائه وغروره وتسلّطه هو، من جهة ثانية، لولا ما اختبره من الشدائد، وصبر عليه، ولم يخطئ أمام الله بسببه.
خلاصة القول: تكسر الشدائد الكبرياء، التي تعمينا عن رؤية جوهر الحياة ومعناها، فنجهل حضور الله وفرحه. وعندما نتحرّر، بواسطتها (الشدائد)، من أنانا، نكتشف أنّها كانت نعمة من الله، لخيرنا. آنذاك، يبدأ الفهم.