كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
جاء في الإنجيل على لسان الربّ: "الحصادُ كثيرٌ والفعلة قليلون. فاطلبوا إلى ربّ الحصاد أن يرسل فعلةً لحصاده"(متى9/37). جاء هذا الكلام بعد كلام الإنجيل عن تنقّل يسوع، في جميع المدن والقرى، يعلّم، ويعلن بشارة الملكوت، ويشفي المرضى، "ولمّا رأى الجموع امتلأ قلبه بالشفقة عليهم، لأنّهم كانوا بائسين مشتّتين مثل غنم لا راعي لها"(متى9/36).
أتراه قَصَدَ أنّ العمال المطلوبين لحصاده سيبقون قلائل؟ أم أنّ الأمناء منهم هم القلائل؟ 
لا يعطي الإنجيل جواباً على هذا السؤال. فقط يتابع الكلام، ليتحدّث عن دعوة التلاميذ الاثني عشر، ويورد، في الإصحاح العاشر من متى، توصيات الربّ يسوع لهم؛ توصيات ليست بالسهلة، لأنّها تتطلّب من الزهد ونكران الذات الشيء الكثير.
كثيرون ممّن انطلقوا، في بدء خدمتهم الكهنوتيّة، بحماسة وصدق، ما استطاعوا الاستمرار في الوهج إيّاه. "هموم الحياة"، وكثرة الأتعاب، وقلّة التعزيات البشريّة من حولهم، جعلت حميّتهم تبرد، فدخلوا في دوامة الروتين وتتميم الخدمات، لا أكثر. 
الكاهن رسولٌ، وإلا فيصير موظفاً يعنى بالشؤون الدينيّة. الرسول حامل رسالة، أي عنده هدف وهمّ وسعي، لإيصال رسالته بالطرق الممكنة الأفضل. الكاهن الرسول تتآكله كلمة الله وخلاص النفوس. لا يهدأ له بال، ولا يتوقّف عن العمل في سبيلهما. 
من أين تأتي رسوليّة الكاهن؟ وكيف يحفظها متقّدة في داخله؟ وكيف يواجه متاعبها وتجاربها، فلا يسمح لبرودة الرعيّة والمؤسسة الكنسيّة، بوجهها البشري، بالتسرّب إليه؟ ما الذي يحتاجه على الأكثر، وهو في النهاية، إنسان حامل خطاياه وضعفاته، وإن كان يرنو إلى أن يتجاوزها، بحبّه الأمين لربّه، وإخلاصه له؟ كيف تساعده الرعيّة ليبقى على الأمانة؟ وما المطلوب من المؤسّسة الكنسيّة في هذا الصدد؟ 
ثمّة سؤال ملحّ آخر: لماذا "الفعلة" قليلون؟ ومن أين يأتون؟ وكيف يعرفون أنّ الله يدعوهم إلى تكريس ذواتهم، لخدمته في جسده الحيّ، الكنيسة؟ 
هذه عيّنة من أسئلة لا بدّ من طرحها على الضمير الشخصي والكنسي. إن أردنا كنيسة "لا عيب فيها ولا غضن، ولا شيء مثل ذلك"، فعلينا أن نطرح السؤال، ونبحث عن الجواب!
يطالب المؤمنون مؤسّستهم الكنسيّة بمطالب، منها المحقّ ومنها الجائر. يريدون منها تأمين سائر متطلّباتهم المعيشيّة، التي لا تؤمّنها مرافق المجتمع الأخرى، بدءاً بالدولة وليس انتهاء بالزوج أو الزوجة! يُعْلون الصوت بضرورة تأمين كهنة، ذوي صفات ومزايا رفيعة، في المجالات الروحيّة والاجتماعيّة والعلميّة. لكنّهم يبقون على مستوى المطالب، ولا يشغلون أنفسهم بالسؤال البسيط التالي: من أين يأتي هؤلاء؟ لا بل بالأحرى لا يريدون أن يفكّروا فيه. يكتفي ضميرهم بالمطالبة، لأنّهم إن تعدّوها إلى البحث سيواجهون السؤال الأصعب: "وماذا عنكم أنتم؟ أين دوركم؟ وكيف ربّيتم أولادكم؟ هل نشّأتموهم على حبّ الله وكنيسته، والسعي إليه وإلى ملكوته؟ أم اكتفيتم بتنشئتهم على العلم والرياضة والموسيقى واللغات ... وكلّ ما تظنّونه ينفعهم في هذه الدنيا فقط لا غير؟ 
لماذا تعارض أغلبيّة العائلات، المسمّاة "مؤمنة" أولادها، وتقف عائقاً أمامهم، عندما يريدون تكريس ذواتهم، فعلةً في حقل الرب؟ ولماذا يضنّون بهم على الله، والحياة الحقّة؟ بينما يشجّعونهم على طلب الدنيويّات، الصالحة وغير الصالحة، في أيّ مكان كان، ولو في أقاصي المعمورة. قد تكون صعوبة الجواب كامنة في مواجهته. أليست الممانعة دليلاً على عدم إدراك أهميّة الكهنوت وسموّ رسالته، ؟ والأسباب عديدة، منها ما يخصّ العائلة، ومنها ما يخصّ شهادة الكهنة أيضاً. لعلّ أحد الأسباب المهمّة يكمن في أنّ الكثرة تعيش إيمانها سطحيّاً. يحلو لي أن أسمّيه، في بلادنا، "مسيحيّة اجتماعيّة" لا أكثر.
أذكر، وكنت ولداً، كلمة بليغة في بساطتها وعمقها، في آن، للبطريرك الراحل أغناطيوس الرابع، وكان مطراناً آنذاك. في أثناء تهنئته بمناسبة دخول أبرشيّته، اللاذقية، في العام 1970، انبرت، إحدى السيدات، من اللواتي كنَّ على معرفة شخصيّة به، سابقاً، وبحماسة ظاهرة، تستفيض في مطالبتها إيّاه بما تحلم بتحقيقه في عهده. 
استفاضت في الكلام عن نوعيّة الكهنة المطلوبين، وما يجب أن يتوفّر فيهم. فسألها: كم ولداً عندك؟ فأجابته بتلعثم بادٍ: ثلاثة. فقال: حسناً، فلتعطني واحداً لأصيّره كاهناً بالمواصفات التي تطلبين. فأجابت بسرعة وحِدّة: لا، ليس ابني. فأجابها بهدوء وبلاغة، كعادته: "أو يملك المطران فقّاسة تفقّس خوارنة يا ابنتي؟!!". 
كانت العائلات قديماً تفتخر بتقديم أفضل أبنائها للربّ. في العهد القديم كان البكر مخصّصاً للربّ، ومُكَرَّساً له. في زمن الانحطاط صاروا يمنعون المميَّز والبارز من خدمة الربّ، ويقبلون بالمضروب بعاهة ما، أو الذي سُدّت أمامه السبل، فوجدوا الكهنوت أفضل مهنة له!! رحم الله أبي، الذي مانعني، حتّى اللحظة الأخيرة، وما كان يعتبر نفسه مؤمناً. لكنّه، وحين تأكّد من إصراري، قال بلهجة السيّد الآمِر: أَنهِ دراستك الجامعيّة أوّلاً، يا بُنيّ. فالكهنوت خدمة ترفعك إلى السماء، أو تحدرك إلى الجحيم. أريد أن تكون طريقك آمنة. فإذا اكتشفتَ أنّك غير قادر على متابعة هذه الطريق، أو أنّك قد أخطأت الاختيار، فشهادتك الجامعيّة تحفظك من أن تجبر نفسك على الاستمرار قسراً فيه، وتسيء إليه. لا أريد لابني أن يمتهن الخدمة الكهنوتيّة. لقد أرادني حامل رسالة. ضايقني جداً بكلامه آنذاك، لكنّي استوعبت صحّته وأهميّته، في أثناء دراستي اللاهوت.
يا ليتنا ننتقد أنفسنا أيضاً، عندما ننتقد الكهنة. فعندما لا نقدّم أولادنا المميّزين، فلندرك أنّنا مقصّرون. وعندما لا نرعى كاهننا، فنحن كذلك أيضاً. 
أمّا للشباب، فأقول: تذكّروا قول الربّ: "الفعلة قليلون"، ولا تنتظروا دعوة أقوى منها. ماذا تريدون أكثر من طلبه: "اطلبوا إلى ربّ الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده". لعلّه دعاك كثيراً، يا بنيّ، ولم تسمع صوته. أصغِ إليه في هدأة صلاتك. ضع ذاتك بين يديه، وادعه ليفعل بك ما يشاء. أيّ دعوة أخرى تنتظر، إزاء التردّي، الذي نحن فيه، لترمي ذاتك في مغامرة الحبّ هذه، إلى أن يرفعك إلى ملكوته؟!
انتبه فقط إلى أن لا تدخل هذه الخدمة، إلا وأنت مشبع بحبّ الله وشعبه.