أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

الموضة تقليعة ما تخصّ أمراً بعينه، تُعَمَّم لتصير ممارسةً عامّة. شكل الثياب أو تسريحة الشعر، مثال للموضة، على الصعيد الخارجي، وبعض أنماطٍ سلوكيّة ومعيشيّة، هي هكذا أيضاً، على الصعيد الأعمق.

تنتشر موضة ما فجأة وبسرعة، ولكن لا عفويّاً. يكفي أن يسرّح أحد النجوم شعره بطريقة ما، حتّى يتبنّى التسريحة آلاف الشباب، أو أن تلبس إحدى النجمات ثياباً معيّنة، حتّى تنتشر هذه الثياب في أقطار المعمورة. وقد بات حتّى هؤلاء النجوم سلعة، في أيدي شركات التجارة والاقتصاد العالميّة، على اختلاف أنواعها.
يقف، عادةً، خلف أيّ موضة، شخص، أو مجموعة لها فكر محدَّد وهدف واضح، يسعون إلى تحقيقه، عبر ما يطرحونه في سوق الحياة، من "موضات". إنّهم يتوسّلون الموضة طريقاً للوصول إلى هدفهم. كان الهدف تجاريّاً في ما مضى، أمّا الآن، فقد تجاوز البعد التجاري. ثمّة شيطان متحكّم بذوي التأثير، شخصيّاتٍ أم مجموعات، أفراداً أم شركات كبرى، بغية تغيير البُنى الاجتماعيّة والأخلاق الإنسانيّة والقيم الروحيّة، بهدف تأمين مصالحهم، أو مصالح من يشغّلونهم، وتسيير العالم في الطريق، الذي يرسمونه له.
موضة المثليّة على سبيل المثال، وهي الأبرز في هذه الأيام، لا تنحصر، فقط، بمجرّد إقامة علاقة جسديّة بين شخصين من جنس واحد. الأمر أبعد من هذا. للأسف، البشر جمهور، أو قُلْ قطيعاً، وهم مسَيَّرون أكثر بكثير ممّا يعتقدون. فالجموع التي تناصر المثليّة، بدوافع شخصيّة، لا تعي أنّها تنفّذ مخططات المتحكّمين بخيرات الأرض، والراغبين في الاستيلاء على كلّ ثرواتها. يقول بعض علماء الاجتماع الغربيّين، الذين يبحثون في الجنس وما يتعلّق به، بأنّ موجة المثليّة تهدف، عند المقتدرين المتحكّمين بالعالم، إلى تخفيض التكاثر السكّاني، وتقليل عدد سكّان الأرض. وإلا، على سبيل المثال فقط، لماذا يمنح الاتحاد الأوربي، خلال عشر سنوات، مبلغ ثمانمائة مليون يورو،لجمعيّات المثليين غير الربحية (NGO)؟ كذلك ما الهدف من استخدام النفوذ، الذي تتمتّع به الدول الكبرى، حتّى تفرض قوانين وتوصيات تسمح بالحرية المطلقة، لذوي الجنس الأحادي والإجهاض، في المؤتمرات العالميّة، المتخصّصة بالنساء والمناخ وتحديد النسل، كمؤتمرَيْ بكيّن والقاهرة، على سبيل المثال لا الحصر؟
ثمّة فارق عظيم بين أن لا يلاحق القانون ذوي الميول غير الطبيعيّة، ولا يقتلهم أو يضطهدهم، وبين أن يشرعن وضعهم ويفرضه، على الرأي العام، بالدستور والثقافة والإعلام، ممارسةً طبيعيّة، ويضطهد من لا يقبله، ولو كان رفضه سلاميّاً لا عنفيّاً. في الواقع، بات الاضطهاد سيفاً مسلطاً على كلّ من لا يسير في ركاب المثليّة وتفرّعاتها. ففي تورنتو، كندا، صدر منذ شهر قانون يجرّم أهالي الأطفال، الذين يتلفّظون بعبارات ترفض المثليّة، أمام رفاقهم، من الأزواج من الجنس الواحد المتبّنين للأطفال. والحجّة أنّهم يمارسون تمييزاً عنصرياً تجاه هؤلاء الأطفال. ما يعني أنّ الوالدَين اللذين يعلّمان أطفالهما أن العلاقة الطبيعيّة، هي تلك التي بين الرجل والمرأة، باتوا، بحكم هذا القانون، مهدّدين بفصل أولادهم عنهم، إذا ما ردّد الأطفال ما تعلّموه في البيت، أمام رفاقهم في المدرسة!
أيّة حريّة هذه، التي تطلق العنان لفئةٍ باستخدام كامل حريّتها، وتمنع على ضمير فئة أخرى عدم قبول ما تقول به الفئة الأولى!!! لماذا يُسمح لفئة بالتعبير، بشكل كامل، عن رأيها في أمور الجنس على اختلافها، ويُمنع على فئة أخرى حتّى التصريح برأيها، في الأمر ذاته؟؟ يحقّ للمثليين المجاهرة بقناعتهم هذه ونشرها، ولا يحقّ لمن يرفضونها، حتى المجاهرة بقناعتهم بخصوصها!!!
بتنا نسمع، ما يحدث في الغرب، ممّا لا يُصَدَّق. مثل أحكام بالسجن أو التغريم، أو إغلاق محلّ ما، لمدة زمنية محدّدة، عقوبةً على اعتذار مالكي فندق، مثلاً، عن قبول إقامة حفل زواج مثلي في فندقهم، أو اعتذار محل حلوى عن صنع كعكة الزواج ووضع رموز مثليّة عليها. يُعاقَبون لمجرّد اعتذارهم، مهما كان لطيفاً ومهذباً. أين المساواة في الحريّة؟ أين حريّة ضمير كلّ إنسان؟ ثمّة تشويهٌ هائل، في الممارسة، لمبادئ حقوق الإنسان، وتجييرٌ لها لتخدم ما هو ضد الأديان!! هل يتمّ هذا بالصدفة وعن غير وعي؟ سؤال برسم الناس جميعاً!!
مؤخراً، وفي اليونان، حيث ما يزال للكنيسة بعض من تأثير، دامت محاكمة أحد المطارنة، ستة أشهر لأنّه قال، في عظة له، إنّ المثلية شذوذ. استند الحكم ببراءته، من تهمة " التمييز الجنسي"، إلى أنّه لفظ عبارة "خلافاً للطبيعة" على لسان الكتاب المقدّس وليس تعبيراً عن رأيه هو. أشكّ في إمكانيّة تبرئته، لوحدث الأمر ذاته، في بلد غربي آخر.
تساءل أحد الأصدقاء، القاطنين في الولايات المتحدة الأميركية، أمامي، منذ سنتين، حول ظاهرة ترقّي المثليين السريع، في سلم التراتبية الوظيفية، وقد بدأ الموظّفون يلحظونها في الشركة، التي يعمل فيها. قال متعجّباً: "أتراهم يريدوننا أن نصير مثليين لكي نترقّى في وظائفنا؟".
يشهد العالم عودة إلى الأخلاق الوثنيّة. تلك التي سادت في أرجاء الإمبراطوريّة الرومانيّة، قبل أن تتمسحن. لقد غيّرت المسيحيّة القيَمَ والأخلاق الوثنيّة، وسَمَت بها إلى مستوى الإنسان الإنساني، الذي يتحكّم بشهواته، ويصعّدها، ويسمو بها، وصولاً إلى الإنسان الكامل. زالت العبودية، ومعها المجون الجنسي، الذي كان شرعيّاً آنذاك، أياً كان الطرف الآخر. لكن مع تراجع الإيمان الديني، الذي تشهده المجتمعات الغربيّة، عموماً، واستبدال الله بالإنسان، ما عاد للإنسان من قيمة شخصيّة مطلقة، يسمو بها ويهفو إليها. فما كان له إلا أن يتوجّه نحو ذاته، ليبتدع من طاقاتها اللامحدودة (كونه مخلوقاً على صورة الله اللا محدود) أشكالاً وألواناً، ولو قادته إلى الانتحار التدريجي الجماعي!
أيعود التاريخ إلى الوراء؟ هكذا يبدو. لكن، من المؤكّد أن العالم يحتاج إلى تبشير مستمر. فما من عالم ثابت بعد. إنّ التغيّر والتحرّك المستمرين والمتسارعين على جميع الصعد، سمةُ الحياة المعاصرة. ومع ذلك يتبع الكثير من المؤمنين، وببلاهة بليدة، الموضات على اختلاف أنواعها، غير مميّزين بين ما يليق بهم، باعتبارهم مؤمنين، وبين ما لا يليق.
أمام هذا الجنون، الذي يعصف بالعالم بحثاً عن معنىً للحياة، بات مفقوداً، لنا في شخص المسيح وإنجيله منقذ وحيد. كم هي عظيمة مسؤوليتنا إنْ وعيناها؟!!من له أذنان للسمع فليسمع.