أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

مَثَل الزؤان في الإنجيل المقدّس مليء بالعبر والمعاني. ضرب المسيح هذا المَثَل لتلاميذه، فقال، ما خلاصته: إنّ زارعاً زرع حقله بالزرع الجيّد، فأتى عدوّه ليلاً، وزرع زؤاناً مع القمح. فلمّا طلع الزرع، وأخرج سنبله، ظهر الزؤان معه.

وعندما أعلم العملة صاحب الحقل، طالبين السماح لهم بجمع الزؤان، أجابهم دعوهما ينموان سويّاً، لئلا تنزعوا القمح مع الزؤان. وحين يأتي الحصاد "اجمعوا الزؤان أوّلاً، واحزموه حزماً ليُحرق، وأمّا القمح فاجمعوه إلى مخزني"(مت13/23-30).
وحين فسّر السيّد المَثَل لتلاميذه، قال لهم: الزارع هو المسيح. والحقل هو العالم، والزرع الجيّد هو أبناء الملكوت، والزؤان هو أبناء الشرّير، والعدوّ، الذي زرع الزؤان، هو إبليس، والحصاد هو نهاية العالم، والحصّادون هم الملائكة. (مت13/36-43).
إذا توسّعنا، قليلاً، في تفسير المسيح للمَثَل، نستنتج أنّ العالم فيه الصالحون والأردياء، وأنّ الله لا يسمح بعقاب نهائي للأشرار حاليّاً، لئلّا يهلك الصالحون معهم. "لا لئلّا تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان"(مت13/28). وإن كان يؤدّبهم، بطرق كثيرة ومتنوعة، بهدف صحوهم وعودتهم إلى جادة الصواب، وتالياً، خلاصهم.
هذا يذكّرنا بعقاب مدينة سدوم. فحين عرف ابراهيم بالعقاب الإلهي، قال للربّ: "أَتُهلك الصدّيق مع الشرّير؟ ربّما كان في المدينة خمسون صدّيقاً، أَتُهلكها كلّها ولا تصفح عنها من أجل الخمسين صدّيقاً فيها؟ ... فقال الربّ: "إن وجدت خمسين صدّيقاً في سدوم، صفحت عن المكان كلّه إكراماً لهم" (تك 18). وبدأ ابراهيم يخفّض العدد، حتّى وصل إلى العشرة. فاضطُرّ إلى أن يسكت أخيراً، لعدم وجود عشرة صالحين في المدينة.
يقول عدد من آباء الكنيسة المفسّرين، إنّ الله سمح بنمو الزؤان ليعطيه فرصةَ في أن يصير قمحاً. يسمح الله للأردياء بالوجود ولا يفنيهم، لأنّه، بفيض محبّته، يمنحهم وقتاً للإصلاح والتوبة. وهذا يذكّرنا، أيضاً، بكلام الربّ على لسان النبي حزقيال: "أَبموت الشرّير يكون سروري، يقول السيّد الربّ؟ كلا، بل بتوبته عن شرّه فيحيا"(حز18/23). كما يذكّرنا بكلام الإنجيل: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى" (مت9/12).
هذا يعلّمنا، أوّلاً، أنّ الأشرار والأردياء موجودون في العالم. فعلى المؤمنين أن لا يتشنّجوا من وجودهم، في هذه الحياة! الأَوْلى بهم أن يشفقوا عليهم، لأنّهم بحاجة إلى الخلاص. لكن قبول وجودهم لا يعني مجاراتهم ومسايرتهم في فسادهم وشرّهم. بل على العكس تماماً، على المؤمنين أن يكونوا يقظين، على الدوام، لكي يحفظوا أنفسهم من الوقوع في الفساد والشرّ. واجبهم، أوّلاً ، أن يمتنعوا عن فعل الشرّ، وأن يتوبوا باستمرار، كما يطلب الربّ، في سفر إشعياء النبي: "اغتسلوا. تنقّوا. اعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عينيّ. كفّوا عن فعل الشرّ" (إش 1/16).
ويعلّمنا ثانياً، أنّ المؤمن مدعوّ إلى المساهمة في تحقيق هدف الله، أعني خلاص البشر. وأنّ هذه المساهمة لا تتحقّق إلا بالمثال الصالح والقدوة الحسنة. الكلام والوعظ والتعليم والمؤسّسات وما إليها، وسائل لا أهداف. وهذه كلّها لا تؤثّر في الآخر، إلّا إذا خرجت من أناس طاهرين وصادقين، وسالكين في وصايا الربّ وتقواه ومخافته.
لذلك تشدّد الكنيسة الأرثوذكسيّة، بالأخصّ، على حياة التوبة، وعلى البعد الداخلي للحياة المسيحيّة. إذ إنّ تتميم جميع الوصايا، من حيث الظاهر، ممكن، من دون أن يرافقه تتميم لها، من الداخل. وهذا ما كان عليه الفريّسيون، في زمن المسيح. يتبيّن من الإنجيل المقدّس، أنّ السيّد ما كان قاسياً مع أحد، كما كان مع هؤلاء المؤمنين المرائين، أعني الفرّيسيين، الذين وصفهم "بالقبور المُبَيَّضَة، ظاهرها جميل، وباطنها ممتلئ بعظام الموتى وبكلّ فساد. وأنتم هكذا تظهرون للناس أبراراً، وباطنكم كلّه رياء وشرّ"(مت23/27).
يقول الرسول بولس لكنيسة كورنثوس: "كتبت إليكم في رسالتي أن لا تخالطوا الزناة. ولا أعني زناة هذا العالم على الإطلاق أو الفجّار أو السرّاقين أو عبّاد الأوثان، وإلّا اضطررتم إلى الخروج من العالم!"(1كو5/9). ما يعني أن المؤمنين يحيون في هذا العالم لا في عزلة عنه، بل فيه. لكنّهم يتميزون بعدم مسايرتهم له في ما لا يتوافق وقيم إيمانهم وجوهره. هم يتعاطون مع البشر بمحبّة ورصانة، انطلاقاُ من قيم إنجيلهم. لا يحكمون على المختلف عنهم، ولا يقتلونه، لا جسديّاً ولا معنوياً. يبذلون جهدهم لكي يكونوا مخلصين لتعاليم مسيحهم، أمناء على إيمانهم، شهوداً لربّهم. ويتمّمون هذا كلّه بسيرة لا عيب فيها. وإن شابها نقص، بسبب الضعف البشري، فإنّهم سرعان ما يصلحونه.
يعون أنّهم شهود لإيمانهم في قلب المجتمع، فلا يشاركون في ما يضادّه. يمتنعون عن الموبقات والسيّئات والجرائم، وإن سار عليها كلّ مجتمعهم. يبقون هم على الأمانة. بقدر ما تكون سيرتهم بلا لوم، يخبرون، من دون أن يقتحموا على الآخرين حياتهم، بفرح إيمانهم وحلاوته.
منعت الثورة الشيوعيّة الصينيّة، الراهبات، اللواتي يخدمن في المستشفيات، من الكلام مع المرضى. وحدث أن أُدخل أحد المسؤولين الكبار إلى إحدى هذه المستشفيات، بحالة خطرة. هذا بعدما رأى حنان الراهبات وتفانيهنّ في خدمة المرضى، قال لرئيستهن، بانذهال: "كم أنّ إلهكم محبّ، حتى إنكنّ محبّات بهذا القدر!". هذا شجّع المسؤولون، في ما بعد، على الطلب من الأم تيريزا كلكتا، أن تفتح فروعاً لجمعيّتها، "مرسلات المحبّة"، في الصين، التي كانت بلداً مغلقاً على التبشير. [لم يتمّ الأمر لأنّها أصرّت على أن تبقى راهباتها بالزيّ الهندي، فيما طلب الصيّنيون أن يلبسن الزي الصيني].
أخبرني أحد القساوسة الذين خدموا، في الصين، في السنوات العشر الأولى من هذا القرن، أنّ المسيحية تنتشر بسرعة هناك. وأنّ الحكومة، التي كانت تضطهد الكنائس، باتت تشجّع شعبها على ارتيادها، لأنّها لاحظت أنّ مرتاديها لا ينتحرون. تعاني الصين من كثرة حوادث الانتحار بين أفراد شعبها.
أوصى المسيح تلاميذه، وعبرهم كلّ أتباعه في العالم: "كونوا لي شهوداً في أورشليم والسامرة وإلى أقاصي الأرض". هذه كانت وصيّته الأخيرة، قبل صعوده إلى السموات. لذلك كانت السيرة النقيّة، والأمانة المطلقة في حفظ تعاليمه، في أوجهما، عند مسيحييّ القرون الأولى.
ما قال المسيحيون نحن في وسط معاد، كاره للمسيح ولنا، فلننعزل ولنعش وحدنا، ولنذهب إلى حيث يكون المسيح محبوباً!! بل قاطعوا رداءة العالم وسيّئاته. في عالم ماجن حتى النهاية، حفظوا عفّتهم. وخدم العبيد منهم أسيادهم الفاسقين، بكلّ تفانٍ وإخلاص. وهكذا خمّروا الإمبراطوريّة الرومانيّة الوثنيّة بخميرة الإنجيل، ونقلوها، بدمائهم وعرقهم والتزامهم الروحي الصافي، إلى المسيح.