كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

قلنا إنّ وجود الزؤان مع القمح حتى اليوم الأخير، يجعل المسيحيين في مقام الشهود لإيمانهم، وتالياً يفسح لهم المساهمة في العمل على خلاص العالم.
الملفت في تفسير المسيح للمثل أنّه يعتبر الحقل رمزاً للعالم، لا للكنيسة. إن كان العالم سيبقى حاوياً الصالحين والفاسدين، فماذا عن الكنيسة؟ كيف نطبّق هذا المَثَل فيها؟ هل نقبل بوجود الأردياء على قدم المساواة مع الصدّيقين؟ الكنيسة خميرة العالم وملحه، "فإذا فسد الملح فماذا يملّحه؟"(مت5/13). لا مكان للفاسدين والأشرار في الكنيسة، لأنّها من حيث المبدأ جماعة قدّيسين؛ جماعة أناس كرّسوا أنفسهم لله. لكنّهم، من حيث الواقع، لايزالون يخطئون، ولم يبلغوا الكمال؛ ولو أنّهم في الطريق إليه. لذا الكنيسة، أيضاً، جماعة تائبين، يسعون إلى القداسة والكمال. 
التوبة تعني تصحيح الذات المستمر. أمّا الذي يرفض تغيير ذاته، ويعنّد على خطيئته، لا مكان له في الكنيسة. عملية التنقيّة والتطهير مستمرّة وفاعلة في الكنيسة، وهي مسيرة جدلية دائمة تستدعي صحواً ويقظة روحيين عظيمين، من جهة أولى، ومساندة للخاطئ التائب مساوية، في قوّتها، للغيرة الطاهرة على نقاء الكنيسة. 
الكنيسة جسد المسيح الحيّ، لا حقل إذن. إنّها كرمته، والمؤمنون في اتحاد كياني معه."وكل غصن منه لا يحمل ثمراً يقطعه"(يو15/1-10). وورد على لسان الرب، في موضع آخر:"كلّ شجرة لا تحمل ثمراً جيّداً تُقطع وتُلقى وتُرمى في النار"(مت7/19). وفي معرض حديثه عن الخصام بين أبناء الكنيسة، طلب الربّ اللجوء إلى الكنيسة، من بعد استنفاذ حلول المصالحة، على الصعيد الشخصي وصعيد الوسطاء. جاء في كلامه: "فإنْ رفض (الأخ المخطئ) أن يسمع لهم (الوسطاء والشهود) فقلْ للكنيسة. وإنْ رفض أن يسمع للكنيسة، فعامله كأنّه وثنيّ أو عشّار"(مت18/15-18). 
على هذه الآيات وغيرها استندت الكنيسة، في تشريعها القانوني، الهادف إلى تنظيم وجودها على الأرض، بما يتوافق مع مبدأ وجودها وكينونتها. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: "لو شاء أولئك الذين يسمّون أنفسهم مسيحيين أن يستمرّوا محافظين على الحقيقة الإنجيليّة والتقليد الرسولي والإيمان البسيط، لما اضطُررت إلى أن أتكلّم ، ولبقيتُ صامتاً". اللاهوت الدفاعي والحواري، والقوانين التي تؤدّب وتهذّب وتُصلِح وتقطع، إنّما وُجدت بسبب الوجه البشري للكنيسة في واقعها، من أجل أن تبقى على الأمانة، ولا تهبط إلى ما دونها، وتصير كنيسة مشوِّهة لوجه مسيحها ومنفِّرة منه.
أرسل الله النبي إرمياء،إلى شعبه، وحمّله رسالةً مزدوجة، قائلاً له: "ها أنا جعلت كلامي في فمك، وأعطيتك اليوم سلطة على الأمم والممالك، لتقلع وتهدم وتهلك، ولتنقض وتبني وتغرس"(إر1/10). أليست هذه رسالة الكنيسة؟
ثمّة تمييز، إذن، في تعامل المؤمنين، مع من هم خارج الكنيسة، ومع الذين فيها. فالذين فيها لا يُسمح لهم بالتساهل في أمور الرذائل، بعد استنفاذ سبل إصلاحهم وخلاصهم. فإن أصرّ الخاطئ أو الضالّ على الاستمرار في خطيئته، تؤدّبه الكنيسة. ويتخذّ التأديب أشكالاً ومراحل متعدّدة: يبدأ بالتنبيه فالإنذار فالقصاص، فالقطع المؤقت، فالقطع النهائي. هذا ساطع الوضوح في رسائل بولس الرسول، التي نظّمت الكنائس المحليّة الناشئة حديثاً، وجسّدت كلام الإنجيل في الواقع الكنسي.
أسوق مثالاً واحداً فقط، بخصوص ذاك الأخ الذي كان يعاشر زوجة أبيه. يقول الرسول بولس :"كان الأَوْلى بكم أن تنوحوا حتّى تزيلوا من بينكم من ارتكب هذا الفعل... سلّموا هذا الرجل إلى الشيطان، حتّى يهلك جسده، فتخلص روحه في يوم الربّ" (1كو5/1-5). والمقصود، اقطعوه من الكنيسة، لأنّه مصرّ على خطيئته، عسى خطيئته تنهك جسده، فيصحو ويتوب. ورد في مَثَل الابن الضال، أنّه لما صار في الفاقة القصوى، تذكّر عزّ بيت أبيه، فعاد إليه.
يتابع الرسول بولس، في رسالته إلى كنيسة كورنثوس قائلاً: "كتبت إليكم في رسالتي أن لا تخالطوا الزناة. ولا أعني زناة هذا العالم على الإطلاق أو الفجّار أو السرّاقين أو عبّاد الأوثان، وإلّا اضطُررتم إلى الخروج من العالم! لكن الآن أكتب إليكم أن لا تخالطوا من يُدعى أخاً (أي من المؤمنين، من داخل الكنيسة) وهو زانٍ أو فاجر أو عابد أوثان أو شتّام أو سكّير أو سرّاق. فمثل هذا الرجل لا تجلسوا معه للطعام.
هل لي أن أدين الذين خارج الكنيسة؟ أَمَا عليكم أنتم أن تدينوا الذين في داخلها؟ لأنّ الذين في خارجها يدينهم الله. فالكتاب يقول: "أزيلوا الفاسد من بينكم"." (1كو 5/9-13). 
ثمّة حالات لا يعد الحوار والمراعاة والمرافقة تنفع فيها. هذه تستوجب القطع، أي الطرد من الكنيسة. تلجأ الكنيسة إليها بعدما تستنفذ كلّ سبل الإصلاح، سواء الأخلاقي والسلوكي أو الإيماني والأسراري، ويبقى المخطئ، مصرّاً، عن عمد، على الاستمرار في خطيئته أو ضلاله. آنذاك يصير حجر عثرة للآخرين، وصورة مضلِّة ومشوِّهة للمسيح، فيجب إبعاده عن العائلة الكنسيّة لئلا يتلفها ويسبّب لها الهلاك.
الكنيسة أمّ وأب في الوقت ذاته. تربّي وتنمّي وترعى، وتؤدّب وتعاقب وتهذّب، والهدف هو بنيان الإنسان، ذاك الذي مات المسيح وقام لأجل خلاصه. 
يدين الله فاسدي هذا العالم في اليوم الأخير، أمّا فاسدو الداخل فتحاسبهم الكنيسة بهدف نخسهم على التوبة، والحفاظ على نقاوتها، في آن. لا مساومة مع الانحراف، أإيمانيّاً كان أم سلوكيّاً. 
في زمن الرخاوة، وتأثير عوامل كثيرة في المدعوين مؤمنين، يبدو الأمر غير سهل بقدر الكلام عنه. التهاون مرفوض، والاستشفاء مطلوب. الصبر مفيد والعَجَلة مضرّة. فالأمر، في نهاية المطاف، ليس مجرّد قرار قانونيّ، بقدر ما هو تربوي، للمخطئ وللإخوة. ويستدعي استلهام الروح القدس والصلاة العميقة.
ففي زمن الإصرار على التمسّك بالشكليّات الدينيّة، ومحاربة جوهرها، في الوقت ذاته، تحتاج الكنيسة إلى روح نبويّ وعمل جماعيّ، حتّى تحدّ من الفساد المستشري هنا وثمّة. وفي نظام سياسي ترتبط فيه الكنيسة بالطائفة، فتضيع الحدود بينهما مراراً كثيرة، ويُنصِّب كلّ مسيحيّ، بحسب الهويّة، نفسه مُصلحاً للكنيسة، يصير الفصل بين القمح والزؤان، بعد نضجهما، أشدّ حساسيّة وصعوبة. 
لكن من المؤكّد، أنّه بقدر ما يكثر الطاهرون في الكنيسة، يقلّ الفساد. ففي النهاية، كلّنا مسؤول، وسوف نُدان على هروبنا من المسؤولية، بشكل أو بآخر.
اهتمّ بنقاوتك لتصير كنيستك أفضل!