أبرشية بصرى حوران
و جبل العرب و الجولان
للروم الأرثوذكس
كلمة الأسقف

وُلد في عيد البشارة للعام 1894، ورقد في عيد البشارة للعام 1979. سُمِّيَ في المعمودية "بشارة"، وكانت حياته محض بشارة خالصة بالربّ يسوع المسيح.

صربيّ الجنسيّة، أرثوذكسيّ الإيمان. أحبّ الكتاب المقدّس كثيراً، والأناجيل الأربعة بالأخصّ. واستمرّ، إلى آخر حياته، يقرأ ثلاثة فصول منها يوميّاً. درس في معهد القدّيس سابا اللاهوتي، في بلغراد، وكان آنذاك معهداً معروفاً بأنّه مكان التشدّد النسكيّ والتعليم العالي. تعرّف فيه على مدرّسه القدّيس نيقولاي فيليميروفيتش، الذي صار أباه الروحيّ. تأثر القدّيس يوستينوس بالقدّيس نيقولاي كثيراً، وتعلّم منه فضيلة الحياة النسكيّة في المسيح يسوع، والعقائد بحسب آباء الكنيسة، والجهد الروحيّ والفكريّ المطلوب لفهم المسائل الفلسفيّة واللاهوتيّة المهمّة في عصره.
أخّر اندلاع الحرب العالميّة الأولى، وتردّي صحة والديه، تكريس حياته بالكليّة للمسيح، في النذور الرهبانيّة. خدم، مع بداية الحرب العالميّة، ممرّضاً في جنوب صربيا، واستطاع دخول الحياة الرهبانيّة في بداية العام 1916. اتّخذ هذا القدّيس، يوستينوس الفيلسوف (القرن الثاني)، شفيعاً له في الرهبنة. كان هذا الاسم هدية وإشارة من السماء، لأنّ الله سوف يمجّده، لاحقاً، فيلسوفاً وباحثاً عن الحقيقة الإلهيّة.
درس، لمدة سنة، في روسيا، حيث تسنّى له أن يتعرّف، عن قرب، على نسّاكها وقدّيسيها الأكثر أهميّة، وأُعجب بروحانيّتها وتقواها، خاصّة تلك التي رآها جليّاً عند قروييّ الريف الروسي. بعد ذلك تابع دراسته، لثلاث سنوات، في جامعة أكسفورد. وقدّم فيها أطروحة الدكتوراه، بعنوان "فلسفة دوستويفسكي وديانته". وقد ضمّنها نقداً صميميّاً للغرب، وقدّم تصحيحاً له. رفضت الجامعة إعطاءه الشهادة، بسبب عدم قبول أطروحته للدكتوراه. وما كان مناخ الجامعة آنذاك يسمح بقبول نقدٍ للغرب بصراحة وعمق ما فعله يوستينوس.
مارس التعليم لفترة قصيرة، بعد الحرب، في أحد المعاهد اللاهوتيّة الصربيّة المهمّة، حيث أعاد إحياء دراسة حياة القدّيسين، باعتبارها مادّة لاهوتيّة. ومن ثمّ أمضى سنتين، في كليّة اللاهوت، في أثينا، اليونان، حصل في نهايتهما على شهادة دكتوراه لأطروحته: "مشكلة الشخصيّة والإدراك بحسب القدّيس مكاريوس المصري".
رُسم كاهناً في العام 1922. ولم يتوقّف عن البكاء طيلة الخدمة، كطفل مولود حديثاً بالربّ. تابع تدريسه في المعهد، ودرّس العهد الجديد والعقيدة والآبائيّات وحياة القدّيسين. ترجم إلى اللغة الصربيّة الكثير من سِيَر القدّيسين والنصوص الآبائيّة. ووضع كتاباً في "نظريّة المعرفة بحسب القدّيس اسحق ".
تمتّع بمعرفة اللغات العبريّة والسريانيّة واليونانيّة واللاتينيّة والروسيّة والرومانيّة، بالإضافة إلى اللغات الغربيّة المعاصرة. مكنّته حياتُه النسكيّة من نظرة نسكيّة للحياة، ما أتاح له أن يُنتج للعالم المسيحي أروع تحليل لإيمان الكنيسة الأولى. تمتّع بنظرة ثاقبة تحليليّة دقيقة جدّاً وعالية المستوى، ظهرت في كتاباته، تلك التي عالجت ماهيّة اللاهوت وطريقته، وروح الحضارة الغربيّة ورؤيتها، وما تردّد في قول الحقيقة بشأن الحالة الساقطة للبشريّة، خاصّة الحماقات الدينيّة والعلمانيّة في مسرى أوروبا الغربيّة.
بعد هيمنة الحزب الشيوعي على صربيا، طُرد الأب يوستينوس، مع آخرين، من الجامعة، في بلغراد، مع تحذير بعدم العودة. فقضى بقيّة عمره في دير صغير. هناك رُفِّع إلى رتبة أرشمندريت، وأصبح المرشد الروحي للدير. وبدأ صيته ينتشر، وبدأت أفواج من المؤمنين الأتقياء من كلّ أنحاء يوغوسلافيا واليونان والبلقان، ومن بقيّة بلدان العالم، يقصدونه لسماع كلمة منفعة، والغبّ من تعاليمه ووعظه، بخصوص الإيمان القويم، والحياة بالمسيح بمؤازرة الروح القدس.
كشفت كلماته وإنجازاته وأفكاره نمط عيشه المستوحى من آباء الكنيسة القدماء. كان أباً حقيقيّاً من آباء الكنيسة، الذين سار على خطاهم، طيلة حياته. تميّزت عبقريّته بالجديد الذي قدّمه على صعيد اللغة اللاهوتيّة والفلسفيّة الضروريّة للمس قلب الإنسان المعاصر.
موجز سريع لنظرته اللاهوتيّة لمعنى "المسكونيّة"
يرد في دستور الإيمان النيقاوي القسطنطيني، الذي يتلوه المؤمنون في كلّ قدّاس إلهي: "وبكنيسة واحدة جامعة". وإذا ما سألت عن معنى "كنيسة جامعة"، جاءك الردّ الأكثر شيوعاً، بأنّها كنيسة تجمع الناس من كلّ الشعوب والأعمار والمشارب، أي بمعنى "كنيسة عالمية universal". وهذا هو الجواب الشائع في الغرب. باتت صفة العالميّة تطغى على معنى "جامعة" الأعمق، إلى درجة تغييبها تقريباً.
الحقيقة، إنّ لفظة "جامعة" هي تعريب للفظة "كاثوليكوس" اليونانيّة و "سوبورنوست" الروسيّة. وهي كلمة مركّبة، في اليونانيّة، من مفردتين: "كاتا" وتعني "بحسب" + "أولوس" وتعني الكلّ، الملء. والكاثوليكون هو الجامع، أي المعبد الذي يجمع المؤمنين في مكان واحد. وتسمى، "كاثوليكون" إمّا كاتدرائيّة الأبرشيّة، أو كنيسة الدير الرئيسة، أو كنيسة المدينة الكبرى، التي يجتمع المؤمنون فيها في الأعياد الاحتفاليّة، بدلاً من اجتماعهم في كنائسهم المحليّة.
لكن هذه اللفظة تحمل، في اللاهوت المسيحي، أبعاداً أعمق من مجرّد "تجمع" أو "اجتماع".
يشدّد اللاهوت الأرثوذكسيّ على أنّ "كاثوليكيّة" الكنيسة، أي "جامعيّتها" تعني اجتماع الكل إلى واحد.
من هنا يساوي القدّيس يوستينوس بين هذه اللفظة وبين لفظة "المسكونيّة". فالكنيسة مسكونيّةٌ بسبب كاثوليكيّتها، أي صفتها "الجامعة".
ويشرح القدّيس لفظة المسكونيّة، وتالياً صفة المسكوني، في هذا السياق اللاهوت الكنائساني، هكذا: "المسكونيّة هي جامعيّة السماء والأرض، جامعيّة الله والإنسان، ... يقول: نحن نعيش على الأرض، لكن نكنز كنوزنا في السماء(مت6/20). الكاثوليكيّة المقدّسة (سوبورنوست) هي كلّ شيء يكمن في وحدة الإلهي - الإنساني. الكنيسة جسم، كيان "ثيانثروبيك"، أي إلهيّ– إنسانيّ. إنّها جسد المسيح الإله – الإنسان. إنّها جسد على الأرض وقلب في السماء. من هنا، يجب أن تكون رغباتنا (كمسيحيّين) "كاثوليكيّة =جامعة"، وتصير "كاثوليكيّة = جامعة" عندما تكون مقدّسة(مت6/21).
تتحقّق قداسة الإنسان في الله؛ وبأكثر تخصيصاً، في الإله – الإنسان، أي المسيح. ففي شخص الإله – الإنسان، ينقل الله كلّ صفاته، بما فيها القداسة، إلى الإنسان.
يقول: "الإنسان برغشة صغيرة جداً من دون الله ... كلّ شيء قد خلق من أجل الوحدة والمسكونيّة، أي الكاثوليكية أو الجامعة" الإلهيّة –الإنسانيّة(مت6/25-34) "من قبلكم قبلني، ومن قبلني قبل الذي أرسلني"(مت10/40). لذا ففيه، أي المسيح، تتحقّق الكاثوليكيّة، بكليّتها، العالميّة بكليّتها، المسكونيّة بكليّتها. حيثما هو موجود فكلّ هذه موجودة، وأكثر؛ الثالوث القدوس بكليّته موجود. "كلّ شيء منه، وكلّ شيء فيه! وكلّ شيء باتجاهه".
ويستنتج أنّ الكنيسة، بطبيعتها الجوهريّة، مسكونية، لأنّها كاثوليكيّة. إنّها بمثابة ورشة العمل الأكثر كمالاً من أجل تحقيق الإنسان، خليقة الله، الكامل. يقول: "كلّ ما هو خارج عن الإله - الإنسان مجتمع زائف، وشخصيّات زائفة؛ خليط إنسانوي محال(غير عملي). المسيح فقط هو الكلّ وكلّ شيء".
طبعاً، عندما يتكلّم القدّيس يوستينوس عن الكنيسة، فهو يقصد الكنيسة الأرثوذكسيّة. لم يتعاطَ القدّيس يوستينوس السياسة الكنسيّة، بل اللاهوت الصافي. وما شارك، قطّ، في اجتماعات الحركة المسكونيّة، لكنّه لم ينتقد المنخرطين فيها. وقد سبق وأشرنا في مقال سابق، إلى أنّ القدّيس نيقولاي فيليميروفيتش، أبوه الروحيّ، أهمّ وجه مثّل الكنيسة الأرثوذكسيّة الصربيّة في هذه الاجتماعات.
تفيد كتاباته في الإضاءة بدقّة أكبر على لاهوت "المسكونيّة"، وتالياً، في تصويب العمل المسكوني، بمعنى العمل المشترك بين المسيحيين.